الولادة: 1856
الوفاة: 1915
🌿 النشأة والبدايات الإيمانية
أبصر الطفل “يعقوب” النور عام 1856 في قرية قلعة مرا التابعة لولاية ماردين لأبوين فاضلين هما المقدسي حنا بن إبراهيم ملكي ووالدته “سيدة”. ظهرت بذور دعوته الإيمانية مبكرًا، فدخل دير الزعفران عام 1868 لخدمته، وما لبث أن رُسِم شماسًا إنجيليًا عام 1878، فتولى إدارة المكتبة وتعليم الرهبان.
تجلّت رغبته بالتعمق في طريق الرهبنة بتقديمه نذوره الرهبانية الأفرامية في دير الشرفة للسريان الكاثوليك في 17 أيلول 1882. وبعد أربعة أعوام من الدراسة والتمرس في الحياة الروحية، غادر الدير متجهًا إلى حلب، حيث رقّاه البطريرك جرجس شلحت في 13 أيار 1883 إلى الدرجة الكهنوتية، لينطلق مباشرة لإرشاد النفوس في ماردين وقُراها.
🔥 مآسٍ متتالية وغيرة لا تنطفئ
لم تكن طريق القس ميخائيل مفروشة بالورود؛ ففي عام 1895، وأثناء خدمته في قرية “قلّث”، اجتاحت العصابات المنطقة وهجمت على قرية “عيسى بوار”، حيث قُتلت والدته مع جمع من النساء والفتيات، ونُهِبَت الكنيسة وبيت الكاهن. ورغم هذا الجرح الغائر، لم يتسلل اليأس إلى قلبه، بل عاد إلى ديار بكر واصلًا خدمة النفوس، مكرِّسًا اهتمامه أيام الآحاد والأعياد لخدمة قرية الكعبية وتضميد جراح رعيته.
تقديرًا لتفانيه وإخلاصه وغيرته الرسولية، تدرج في المسؤوليات الكنسية:
- عام 1897: ترقيته على يد المطران بطرس طوبال إلى درجة “خوراسقف” وتعيينه نائبًا عامًا للأبرشية.
- عام 1900: تكليفه من البطريرك أفرام رحماني ببناء كنيسة القديس جرجس في قلعة المرأة.
- عام 1902: توجيهه إلى منطقة الجزيرة كوكيل بطريركي لتثبيت المؤمنين (حيث وصلها في 26 آذار)، والاهتمام برعايا سعرت، ومديات، وباته، وكربوران، وقلّت، ومَدّو، وأسفس التي بنى فيها كنيسة مار يوسف، بعد أن جدّد كنيسة آزخ.
- عام 1910: تعيينه نائبًا بطريركيًا في ماردين ووكيلًا للأبرشية لإصلاح ذات البين وتأليف القلوب المتنافرة. وهناك كتب إليه البطريرك لبناء دار جديدة للبطريركية، فشيّد صرحًا تميّز بجمال هندسته وغرفه الفسيحة.
تُوِّجت هذه المسيرة المعطاءة بالرسامة الأسقفية في بيروت يوم 19 كانون الثاني 1913 على يد البطريرك رحماني، ليتسمى باسم “فلابيانوس ميخائيل ملكي” مطرانًا على الجزيرة.
🕊️ زهد الراعي وبناء الإنسان والمكان
وصل المطران الجديد إلى الجزيرة في 15 آذار 1913، ودخل كنيسة والدة الله باحتفال مهيب يرافقه أمين سرّه الأب بولس قسطن الراهب الأفرامي، حيث رحّبت به الحكومة وأعيان البلد. وحظي بمحبة جارفة من الأهالي، مسيحيين ومسلمين على حد سواء.
عُرِفَ المطران بزهده الشديد وتقشّفه، إذ يروي معاصروه أنه كان ينام على الحصيرة في ليالي الشتاء القارسة، ويأكل الطعام البسيط الخالي من الدسم. كما امتاز بعطفه الكبير على الفقراء، حيث كان يجمع الدراهم بنفسه ليوزّعها على الأرامل والمحتاجين.
ولم يثنه هذا الزهد عن حركة العمران؛ فشمّر عن ساعد الجد وبنى سبعة معابد وكنائس في كل من: قلعة المرأة، السعدية، عيسى بوار، الكمبية، الجزيرة، أسفس، وآزخ. كما عمل على تعزيز المدارس، وتنشيط الأخويات، وتحريك المشاريع الخيرية.
🛡️ خيار الثبات: “من المستحيل أن أترك رعيتي”
مع اندلاع الأحداث المأساوية عام 1915 وتوافد أخبار الشؤم منذ شهر شباط عن استهداف المسيحيين في أرمينيا والرها ودياربكر وماردين، كان المطران ميخائيل يتفقد رعيته في “آزخ”. وحين وصلته النُذر بأن والي دياربكر ينوي تعقّب مسيحيي الجزيرة، عاد فورًا لمقر إقامته.
وعندما انطلقت حملات الاستهداف في أنحاء الجزيرة أواسط حزيران، عُرِضَت عليه من صديقه عثمان (رئيس بلدية الجزيرة) خطة آمنة للتهريب والنجاة بنفسه سرًا، غير أن الراعي الصالح رفض ذلك بقطعية قاطعة قائلًا:
“من المستحيل أن أترك رعيتي وأنجو بنفسي، فإن ذلك مخالف لإيماني ووظيفتي.”
فضّل المطران البقاء ليقف بجانب رعيته، ليكون لهم سندًا ومقويًا لعزائمهم في أحلك الظروف.
✝️ الاستشهاد والنور النازل من السماء
في 28 آب 1915، اقتحمت فرقة من الشرطة كنيسة والدة الله للسريان الكاثوليك، وقبضت على المطران ميخائيل ملكي، لينضم في السجن إلى مطران الكلدان يعقوب إبراهيم وكهنة وأعيان الشعبين السرياني والكلداني. وقضى المطران ساعاته الأخيرة في السجن يعظ المحتجزين، ويسمع اعترافاتهم، ويقوّي إيمانهم.
وفي يوم 29 آب 1915، اقتيد الجميع بعد الضرب والشتم إلى ضفاف نهر دجلة، وجُرِّدوا من ثيابهم. وهناك، دُعيوا للتخلي عن عقيدتهم، فكان جوابهم الصراخ بأعلى صوت:
“نحيا ونموت على دين المسيح”.
ينقل الشيخ سعيد التخومي (أحد وجهاء المنطقة وشاهد عيان) تفاصيل اللحظات الأخيرة قائلًا:
“شاهدتهم رافعين عيونهم إلى السماء والرصاص ينصب عليهم كالمطر. رموا مطران الكلدان بثلاث رصاصات، أما المطران ميخائيل فصفعوه مرارًا ورموه أرضًا حتى أغمي عليه ثم أطلقوا عليه رصاصات عديدة، ونزعوا عنه صليبًا كان تحت ثيابه وقطعوا رأسه. والله رأيت بعيني نورًا منحدرًا من فوق المقتولين كأنه عمود من نار.”
وبعد المذبحة، كُلِّف نفرٌ بجر جثامين الشهداء من أقدامهم وإلقائها في مياه دجلة.
🌟 إرث حي وتطويب كنسي
رغم محاولة محو أثر هؤلاء الشهداء، ظل ينبوع ذكرهم حيًا في الذاكرة والوجدان؛ إذ حرص أهالي “آزخ” منذ سنة استشهاده على الاحتفال بتذكاره سنويًا في 29 آب.
وفي الذكرى المئوية لرحيله عام 2015، وبعد دراسة مستفيضة دامت خمس سنوات في مجمع قضايا القديسين، أصدر البابا فرنسيس إقرارًا رسميًا بتطويب خادم الله المطران الشهيد مار فلابيانوس ميخائيل ملكي. وفي 29 آب 2015، احتفلت الكنيسة السريانية الكاثوليكية بمشاركة الكنائس الشرقية في قداس مهيب برفعه إلى مرتبة “طوباوي”، ليبقى منارًا في الشجاعة والتضحية والإيمان الثابت.