الولادة: 1495
الوفاة: 1550
القديس يوحنا للإله الراهب شفيع خدمات التمريض St. Juan de Dios
بالميلاد هو “ﭼواو دوارتي سيدادﭼـي” João Duarte Cidade ، (ﭼواو = ﭼون) وُلِدَ في مدينة “مونتمورونوﭬـو” بالبرتغال في 8 مارس 1495م، لأبٍ هو “أندريه سيدادﭼـي”، و أمٍ هي “تريزا دوارتي” وهما أبوان فقيران لكنهما كانا يمتازان بإيمانٍ عظيم.
في سن الثامنة إختفى الطفل ” ﭼواو” فجأةً، واعتقد الأبوان أنه مُختطَف. بحثا عنه كثيرًا لبضعة أشهر بعدها توفيت الأم حزنًا عليه، وقرّر الأب أن يتكرَّس في الرهبنة الفرنسيسكانية، بعد يأسه من العثور عليه حيًا أو ميتًا.
الواضح هو أن “ﭼواو” قد إبتعد عن منزله ودخل في الغابات الغير مأهولة وضلّ طريق العودة لبيته. فأفاق على واقع أنه أصبح يتيمًا مُشرَّدًا في مدينة تسمّىَ “أوروبيزا” قرب “توليدو” على مشارف إسبانيا. بلد لا يعرف فيه أحد، ليس له من يهتم به. تلقاه رجلاً ريفي يُدعى “فرانشيسكو مايورال” وعلّمه رعاية الأغنام، فصار يرعى غنمه.
⚔️ الحياة العسكرية
أعجب “فرانشيسكو ماريوال” بإخلاص “يوحنا” الذي نمى ليصبح فتىً قويًا طيبًا، تمناه فرانشيسكو زوجًا لإبنته ووريثًا لأرضه. إلا أن يوحنا لم يكن يريد خسارة هذا الرجل الطيب الذي ربّاه، وفي نفس الوقت لم يكن راغبًا في الزواج من ابنته، فهرب منه وهو في الثانية والعشرين من عمره. بعدها إلتحق يوحنا بمجموعة من جنود المُشاة، وأصبح ضمن جيش الإمبراطور شارل الخامس، وتم إسناد مهمة حراسة بعض المقتنيات الثمينة التي حملها القادة معهم، أثناء ذلك أصيب إصابةً أفقدته الوعي، وعندما أفاق إكتشف أن معظم الكنوز قد تمّ سرقتها. بالطبع دارت الشكوك حوله برغم إصابته، بإحتمالية أنه قد يكون شريكًا للصوص، وقاموا بإصابته لإبعاد شُبهة السرقة عنه، أو على الأقل فهو قد قصَّر في أداء واجباته كحارس، وهي تهمة تُعَرِّض صاحبها للإعدام في ذلك الوقت. إلا أن بعض الضبّاط من رؤساءه رأفوا بحالته، وقرّروا التدخل ليتم العفو عنه مقابل خروجه من الخدمة العسكرية. كان ذلك أمراً مُخيِّبًا لآماله لأنه كان يرى في هذه المرحلة من حياته أن مستقبله في الحياة العسكرية. فعاد لصاحب المزرعة “ماريوال” ولحياة الرعي، لكن قلبه كان مُعلَّقًا بالحياة العسكرية، فلما عَلِم أن الجيش يحتاج مجندين لمواجهة هجوم الأتراك عند مملكة المَجَر، بدأ يساعدهم على حشد أعدادٍ من الشباب للخدمة بالجيش. وظل لمدة 18 عامًا متفرغًا لهذه المهمة، وهي التنقُّل مع الجيش وإمداده بالأفراد والخدمات الطبية تاركًا مزرعة “ماريوال” للأبد.
عند عودته مع الجيش بعد انتهاء الحرب مع الأتراك، أبحر إلى مدينة “كرونيا” الإسبانية القريبة من حدود مسقط رأسه البرتغال. فقرَّر العودة إليها، يغلبه الفضول إلى أن يعرف مصير والديه اللذان ضلّ طريق العودة إليهما منذ سنوات طويلة. بسبب طول المدة نسىَ “يوحنا” إسما والديه، لكنه كان يذكر الكثير من تفاصيل حياتهما، وذكريات طفولته معهما. وبالسؤال تمكن من الوصل لأحد أقاربه الذي مازال يعيش بالمدينة. أخبره بمصيرهما، فوجد أنه لا شئ يربطه بهذه المدينة بعد، فعاد إلى إسبانيا.
✨ إفريقيا
وصل يوحنا سيدادﭼـي إلى أشبيلية، وعمل بها راعيًا للغنم، تلك المهنة التي يجيدها. فكانت فرصةً للتفكير في حياته، وفكّر جديًا في زيارة إفريقيا، إذ كان يرغب الإستشهاد هناك مع المسيحيين المُستعبدين بها، أو يحاول تحريرهم. فعاد إلى حدود البرتغال إلى مدينة “سِوتا” الواقعة على الساحل الشمالي للمغرب. وفي الطريق تصادق مع فارس برتغالي ذهب للعيش هناك بصحبة زوجته وبناته، حيث كان مُعاقبًا بالنفي من قبل ملك البرتغال إلى هناك.
عند الوصول للمستعمرة حيث منفى الفارس، إكتشف أن بعض مقتنياته القليلة التي استطاع أن يخرج بها من البرتغال قد سُرِقَت، ليصبح الرجل مُفلِسًا، بالإضافة لذلك فقد أصاب المرض كل أفراد الأسرة. فقرر سيدادﭼـي مساعدتهم بالتمريض، وإيجاد عملٍ بأقصى سرعة للإنفاق على الأسرة المنكوبة، مُتحديًا ظروف المعاملة السيئة التي كان يتلقّاها سكان المستعمرة من حُكّامها.
واقعة هرب أحد زملاء سيدادﭼـي في العمل من المستعمرة إلى مدينة مسلمة قريبة يتمتع بها بفرص أكبر مقابل ترك إيمانه المسيحي، جعلت الأول يشعر بالإحباط الشديد، وكانت ناقوس خطر لفت نظره لحالة ضياعٍ روحي عاشها طوال سنين حياته العسكرية سواء عندما التحق بالجيش، أو في الوقت الذي كان مساعدًا لهم فيه بإمدادهم بالمجندين والخدمات الطبية، فقد أهمل غذاءه الروحي طوال هذه السنين، لذلك بقدر إحباطه من تصرف زميله بقدر ما انشغل بحالته الروحية وعدم الإنخراط في إدانة الآخر.
فذهب لمقر رهبنة الفرنسيسكان بالمستعمرة للإستشارة الروحية، فأشار الرهبان عليه بأنه لم يكن ذاهبًا إلى إفريقيا بدافع من حالة نموٍ روحي يدفعه للخدمة، بالتالي فمن الأفضل أن يعود لإسبانيا، ووعدوه أن يتولّوا هُم أمر رعاية الفارس البرتغالي المنفي وأسرته.
أطاع سيدادﭼـي نصيحة الرهبان، وقرَّر العودة إلى إسبانيا، حيث رسى عند “جبرالتال” (مضيق جبل طارق) منتظرًا مركبًا يعود به إلى إسبانيا، ومحاولًا في نفس الوقت الإستماع إلى صوت الله ومعرفة دعوة حياته، من خلال الصوم والصلاة بحسب نصيحة الإخوة الفرنسيسكان.
في هذه الأثناء شهد سيدادﭼـي رؤيا للطفل يسوع، الذي أنعم عليه بالإسم الذي أصبح معروفًا به فيما بعد (Juan de Dios) (يوحنا للإله)، أعطاه ثمرة رُمّانٍ مشقوقة، ثم أرشده إلى الذهاب إلى مدينة “جرانادا” بإسبانيا. وعندما وصل إليها عمل بإحدى مطابع الكتب، حيث تعلم إسلوبًا حديثًا من الطباعة المتحركة إخترعه الألماني “يوحنا جوتنبرج” وهو ناشر كاثوليكي، إهتم بطبع ونشر قصص الأدب التكريسي، والروايات التي تحث على أخلاق الشهامة والفروسية.
🎚️ الإهتداء للرسالة
في سن الثانية والأربعين حدث تحوُّلٌ كبير في حياة سيدادﭼـي، في قداس إحتفال عيد القديس سبستيان في 20 يناير 1537م، حيث استمع إلى عظةٍ من الأب “يوحنا الأﭬـيلي” والذي صار مرشدًا روحيًا لاحقًا. وقد كان لعظة يوحنا الأﭬـيلي أثرٌ شديد على سيدادﭼـي الذي خرج بعدها يقرع صدره نادمًا على ما أضاعه من حياته السابقة طالبًا الغفران من الله، بشكلٍ يوحي بأنه أصيب بإنهيارٍ عصبي من فرط صدمته.
فاعتقد الناس أنه أصيب بالجنون، وتم إيداعه بالمستشفى الملكي للأمراض العقلية لتلقِّي العلاج الذي كان في ذلك الوقت عبارة عن العزل والتجويع والجَلْد!
زاره “يوحنا الأﭬـيلي” (القديس يوحنا الأﭬـيلي فيما بعد) بالمستشفى وطمئنه بأنه يعرف أنه إنسانٌ عاقل في نظر الله لكنه مجنونٌ في نظر العالم، ونصحه بأن يهتم برعاية المحتاجين، ولا يعود يلوم نفسه بهذه الطريقة، فالمهم عند معرفة الهدف والرسالة أن نبدأ في عيشها ولا ننظر للوراء ونعيش أسرى الندم.
كان لهذه الزيارة عظيم الأثر في نفس سيدادﭼـي، فمنحته سلام القلب، والفرح، فخرج من المستشفى ليبدأ خدمته بين المرضى الفقراء.
أثناء هذه الخدمة، قام سيدادﭼـي برحلة حَجٍّ روحي سيرًا على الأقدام إلى مزار العذراء سيدة جوادالوبي في “إ كستريمادورا”، ويقال أن العذراء تراءت له هناك، لتنقل له فرح السماء بعيشه للرسالة والخدمة.
حشد سيدادﭼـي كل جهوده لرعاية الفقراء والمهمشين، والفئات المريضة منهم، كما تمكن من تأسيس بيتٍ بإمكانياتٍ بسيطة يستطيع تقديم خدمةٍ وإقامةٍ للمرضى الفقراء. كانت نواة إنشاءه هي إستجداء عطايا الناس لإتمام تجهيزه. فكان يستجدي العطاء كاسرًـا كبرياءه من أجل مساعدة أكبر عددٍ من المرضى. مُمارسًـا الصلاة والتقشُّف.
في بداية خدمته بالبيت الجديد، وبسبب وصمة العار التي تُلاحِق كُلّ من دخل مستشفى الأمراض العقلية، وجد سيدادﭼـي نفسه مرفوضًـا ولا أحد يريد التطوُّع للخدمة معه، فقام على خدمة كل مرضى البيت وحده، لكنه سرعان ما وجد مساندةً ودعمًـا من الكهنة المهتمين بأعمال الخير، فساعدوه أن يحصل على الأدوية والمعدات اللازمة لخدمته، كما تحمَّس له بعض الأطباء، وقرّروا مساعدته ببذل وقتٍ في هذا البيت للخدمة المجانية. رُويت كثير من الروايات عن تراءياتٍ سماوية شهدها الأخ يوحنا للإله خلال خدمته بهذا البيت، من أشهرها أنه شهد رئيس الملائكة رافائيل (الملاك الشافي) في هيئة شخصٍ واضح المعالم.
في ظروفٍ كثيرة كانت خدماته تسبب له المتاعب، فكثيرًـا ما تم احتجازه لأنه يجمع الفقراء حوله، كما كان لا يحتمل أن يرى أطفالًا يرتدون خِرَقًا في الشتاء القارس، فيبيع كل ملابسٍ جديدة تُهدى له مقابل شراء ملابس تناسب الأطفال. حتى أصبح لا يملك شيئًا يرتديه هو للشتاء.
تلاحظ هذا الأمر للأسقف “سبستيان راميراز” مطران مدينة “توي” فقرر منحه رداءً رهبانيًا، الذي صار فيما بعد زيًّا رسميًا لكل من تبعوه في خدمته، كما تم اعتماد الاسم الذي أطلقه عليه الطفل يسوع في الرؤيا ” يوحنا للإله ” كإسمٍ رسمي له.
بسبب رغبته المحمومة في إنقاذ كل من يحتاج للمساعدة، وفور علمه بنشوب حريقٍ بالمستشفى الملكي، قرّر الذهاب لإنقاذ المرضى من الحريق، وكان في ذلك خطورةٌ كبيرة عليه لأنه لم يسبق له أن عمل بالإنقاذ أو إطفاء الحرائق. في مكان الحريق وَجَد الناس ملتفون حول المستشفى لا يفعلون شيئًـا لإنقاذ من بداخلها، فاندفع هو إلى داخل المبنى محاولًـا إنقاذ أكبر عددٍ منهم بحملهم إلى الخارج، وبعد أن تأكد من نجاة جميع المرضى دخل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من المعدات والأغطية والمفروشات بإلقاءها من النوافذ. إلا أنه سقط وسط النار بسبب تهاوي السطح الخشبي الذي كان واقفًـا عليه، واعتقد الجميع أن بطلهم قد احترق، فإذا به يطل عليهم من وسط الأدخنة سالمًـا بشكلٍ معجزي دفع الناس بعد إعلان قداسته لتدعوه شفيعًـا لعمال الإنقاذ.
كذلك يُذكَر عنه أنه كان مريضًـا عندما سمع بأخبار فيضان نهري أطاح ببعض المنازل وكاد يتسبب في غرق سكانها، فاندفع نحو النهر وجمّع الأخشاب الطافية ليشكِّل بها جسرًـا يعبر به إلى البيوت المنكوبة حاملًـا الأطفال والشيوخ الغير قادرين على العبور.
🌟 أخوية التمريض
بالوقت إلتفّ حول يوحنا للإله عددٌ من التلاميذ الذين وجدوا ضالتهم في الإنضمام إلى خدماته التمريضية. فنظَّم لهم أخوية هي أخوية التمريض تم إجازتها رسميًـا من الكرسي الرسولي تحت إسم “أخوية التمريض للقديس يوحنا للإله” في 1572م (بعد وفاته بإثنين وعشرين عام). وهي أخوية تُعنى برعاية المرضى الفقراء حول العالم، وبالوقت عُهِد إليهم بشرف تقديم الخدمات التمريضية للحَبْر الروماني، وكان ذلك في عهد مدبر الأخوية “بيدرو سوريانو” الذي خلف القديس يوحنا للإله في رئاسة الإخوة. الأخوية حاليًـا متواجدة بـ 53 دولة، عدد أعضاءها من المكرسين 45000 عضو، وعدد الخدام المساعدين يُقدَّر بعشرات الآلاف، أنشاوا 3000 مستشفى جميعها تقدم خدماتٍ مجانية، منها ما هو مكرس لرعاية المرضى النفسيين والمرضى العقليين بعلاجاتٍ حديثة تساعد على شفاءهم ومعاملةٍ إنسانية تليق بهم كأبناء لله.
أيضًا تأسست أخوية للبنات تحمل اسم القديس يوحنا للإله وتقوم بنفس الرسالة الخدمية.
⚰️ الوفاة
توفّيَ الأخ يوحنا للإله بعطر القداسة في “جرانادا” يوم 8 مارس 1550م، الذي يوافق ذكرى ميلاده الخامس والخمسين! ودُفِنَ بكنيسة العذراء سيدة الإنتصار التابعة للإخوة الوضعاء ” Minim frairs ” بجرانادا.
بعدها تأسست كنيسة داخل ملحقة للبيت خدمة المرضى الذي أنشأه، وتم نقل رفاته للدفن فيها 1664م.
أعلن قداسته البابا ألكسندر الثامن عام 1690م، بعدها دُعِىَ شفيعًا للمستشفيات، خُدّام التمريض، والمرضى، ومرضى الأمراض العقلية، وناشري الكتب، وعُمّال الإنقاذ من الحريق.
وتحوّلت الكنيسة المدفون بها إلى بازيليكا وحملت اسمه وهي تحت مسئولية مجموعة كشفية تسمّى فرسان القديس يوحنا للإله.
في اللوحات كثيرًا ما يُرسَم القديس يوحنا للإله حاملًا بيده ثمرة رُمّانٍ مشقوقة يعلوها صليب. يقال أنها كانت ترمز لكثرة عددٍ من سيخدمون بهذه الأخوية، وهو ما تنبأ به القديس نفسه، وأيضًا أنها مفتوحة بوضع يسمح للحبّات أن تتبعثر، وهو رمز لبذل الذات بلا حدودٍ في خدمة المرضى والفقراء حول العالم.