الولادة: –
الوفاة: 449
حياة القديس فلاﭬيانوس بطريرك القسطنطينية الشهيد St. Flavianus – Patriarch of Constantinople, Martyr
🍼 الميلاد والنشأة
وُلِدَ “فلاﭬـيانوس” في النصف الثاني من القرن الثالث الميلادي، وبدأ حياته الكهنوتية كأمين على أواني مذبح الكنيسة الكبرى بالقسطنطينية.
بحسب المؤرخ “نيوسفوروس”، الذي أرَّخ لتاريخ إكليروس كنيسة القسطنطينية، إنّ فلاﭬـيانوس اِمتازَ بالأمانة والعيش كما يليق بدعوة الإنجيل، وتدرَّج حتى صار بطريركًا (رئيس أساقفة) القسطنطينية.
خلال تنصيب الحاكم الروماني لبيزنطة “ثيودوسيوس الثاني” واستقراره في مدينة خلقدونيا، حاول خصيّه “خريسافيوس” ابتزاز الكنيسة وإحراجها لتتقدَّم بهدية من الذهب للحاكم الجديد، لكن مساعيه لم تُنجَح، لرفض الكنيسة شراءها من أموالٍ تُحقّ للفقراء وهم بحاجة إليها أكثر. فبدأ خريسافيوس يتحيَّن الفرصة للكيد بالبطريرك الجديد فلاﭬـيانوس.
📜 خلفية تاريخية لأزمة البطريرك فلاﭬـيانوس
ظهرت بدعة نسطور القائلة: “رفض وجود طبيعتين متحدتين لأقنوم الإبن المتجسّد الإلهية والبشرية، وتقول بأنه شخصان؛ شخص إلهي هو الكلمة الذي قبل الدهور، وشخص بشري هو يسوع الناصري وقد حدث بينهما اِمتزاج وليس وحدة”.
نُوقِشت هذه الفكرة في مجمع أفسس الأول عام 431م، ورُفِضَت لأنها تهدم عقيدة الفداء، وصُيغَ ردّ عقيدي من قِبَل القديس يوحنا الأنطاكي، بموافقة القديس كيرلس الكبير والحبر الروماني آنذاك.
بدأ أرشمندريت (رئيس دير) قسطنطيني يُدعَى “أوطاخي” محاولات لصياغة ردود ودفوع أخرى ضد بدعة نسطور، بدون دِقّة تعبيرية وعقيدية، فإذا به ينزلق في بدعة المونوفيزيقية القائلة: “للمسيح طبيعة واحدة وليس طبيعتين متحدتين”.
وبرغم كون هذه الفكرة عكس فكرة نسطور، إلا أنها تتشابه معها في هدم عقيدة الفداء، لأنها تنفي كون المسيح إنسانًا كاملًا وإلهًا كاملًا، وبذلك يُحوَّل الفداء إلى مشهد تمثيلي بلا عناء وموت حقيقي.
وكان هذا بالضبط ما توصَّل إليه البطريرك فلاﭬـيانوس بعد عقد مجمع محلّي بالقسطنطينية عام 448م لمناقشة فكرة أوطاخي، وتم رفض الفكرة، ودُعِي أوطاخي للتخلّي عنها، فإذا به يُصِرّ عليها، فتم عزله من رتبته الكنسية لأن أفكاره لم تعد تمثِّل إيمان الكنيسة الجامعة.
⚖️ لصوصية أفسس
تلقَّف الخصيّ الإمبراطوري خريسافيوس أخبار هذا الخِلاف، وبدأ يُقرِّب أوطاخي لحاكم القسطنطينية لتقوية شوكته ضد البطريرك فلاﭬـيانوس.
أرسَلَ حاكم القسطنطينية أوطاخي إلى بطريرك الإسكندرية الطموح “دسكورس”، الذي كان له علاقات متوترة مع بطريرك القسطنطينية فلاﭬـيانوس وحزازات قومية مع الإمبراطورية الرومانية.
دُعِي إلى عقد مجمع بأفسس، هو المجمع الثاني هناك، عام 449م، ولم يتمكن الحبر الروماني من الحضور فأرسل مبعوثين برسالة تُفيد بعدم موافقته على بدعة أوطاخي لتعارضها مع الصياغة التوافقية الصادرة عام 344م، فتجاهل بطريرك الإسكندرية دسكورس قراءة رسالة بابا روما بحجّة أنها مكتوبة باللاتينية، وتضامن مع أوطاخي ضد البطريرك فلاﭬـيانوس، وتم تأييد البدعة، وحُرِم فلاﭬـيانوس كنسيًا ونُفِي.
في طريق نفيه عبر البحر، عُومِلَ بإساءة بلغت أشدّها، حيث انهال منفذو النفي عليه ضربًا بالعصيّ حتى توفّي بعطر القداسة والشهادة عند شواطئ مدينة قريبة من أزمير، بآسيا الصغرى (تركيا حالياً) في 21 أغسطس 449م. دُفِن في مكان غير معلوم بلا شاهد.
عاد مبعوثو الحبر الروماني “لاون الأول” (القديس لاون الكبير) ليرووا له كل الأحداث المؤسفة، وقرّر البابا لاون الأول عدم الإعتراف بنتائج هذا المجمع وشطبه من تاريخ المجامع، وأسماه “لصوصية أفسس”، ودعا إلى عقد مجمع خلقدونيا عام 451م، برئاسة أحد أساقفة روما موفّداً عن الحبر الروماني.
✝️ مجمع خلقدونيا
عُقد المجمع في خلقدونيا بجوار القسطنطينية بحضور 330 أسقفًا. جلس المعسكران المختلفان يتوسطهما الكتاب المقدس، وتم إعادة الإعتبار للبطريرك الشهيد فلاﭬـيانوس الذي عُزِل ظلماً وقُتِل، ثم قراءة قانون الإيمان النقيوي ورسالة بابا روما التي تم تجاهلها في وقائع لصوصية أفسس.
عارض البطريرك السكندري دسكورس ذلك، فتم حَرمه، وصُيغت العقيدة: “المسيح شخص واحد ذا طبيعتين، إلهية وبشرية”، وصَدَّق البابا على ذلك.
عاد دسكورس إلى الإسكندرية، وبدلاً من الاستجابة لقرار العزل، انفرد برئاسة كنيسة الإسكندرية، ليحدث أول إنفصال فعلي عن الكنيسة الأمّ الجامعة المقدسة الرسولية، وأصبحت المونوفيزيقية عقيدة “قومية” لغالبية شعب كنيسة الإسكندرية، وتعرف لاحقًا باسم الأرثوذكسية (Orthodox)، وتعني “الإيمان المستقيم”.
⚰️ رفات الشهيد
بعد وفاة “ثيودوسيوس الثاني”، حاكم القسطنطينية الذي ساند أوطاخي، قامت شقيقته “پولكاريا”، التي تزوجت الإمبراطور “ماركيانوس”، بالتحرّي عن موضع رفات القديس فلاﭬـيانوس. وعندما وُجِدَت، أُقِيمَ احتفال يُشَبَّه بحفل انتصار وتأبين ودفن.
حاليًا، تُحفَظ رفات القديس بإكرام في روما، وتُعيدُّ له الكنيسة الكاثوليكية الجامعة في 18 فبراير من كل عام، بينما تحتفل به الكنائس الأرثوذكسية غير المونوفيزيقية يوم 16 فبراير.