الولادة: –
الوفاة: 307
👶 ولادة ونشأة القديسة كاترين
وُلدت القديسة كاترين من أبوين مسيحيين غنيين بالإسكندرية في نهاية القرن الثالث الميلادي. كانت تتحلّى من صغرها بالحكمة والعقل الراجح والحياء، ويبدو أنها كانت من فئة النبلاء، جميلة المنظر وذكية جدًا. التحقت كاترين بالمدارس وتثقّفت بعلوم زمانها، وكانت مثابرة على الاطلاع والتأمل في الكتاب المقدس.
ولما بلغت الثامنة عشر، كانت قد درست اللاهوت والفلسفة على أيدي أكبر العلماء المسيحيين حينذاك، فعرفت بُطلان عبادة الأوثان وروعة المسيحية، ولكنها لم تكن قد تعمّدت بعد. كما درست الفلسفة والبلاغة والشعر والعلوم الطبيعية واللغات، كل ذلك ولم يتجاوز عمرها العشرين سنة.
تقدم كثيرون يطلبون ودها، فلم ترضَ بأحد منهم، ولما نفد صبر أمها وكانت مسيحية واحتارت في أمر ابنتها، استعانت بناسك قديس كان يقيم خارج المدينة، فقال لها الناسك إنه يعرف رجلاً أنبل من كل أهل الأرض بما لا يُقاس وله سلطان على الكون برمته وقد خُلق العالم بقدرته الذاتية، وهو أيضًا يلتمس عروسًا له، ولا يرضى عن النفس البتول بديلاً.
قال لها الناسك ذلك وصُرفت، وعادت كاترين إلى بيتها متحيرة متأملة في قلبها، وفي نفسها شوق للقاء ذلك العريس كما وصفه لها الناسك.
🌙 رؤية والدة الإله والرب يسوع
وفي الليلة نفسها، رأت كاترين والدة الإله وابنها يسوع، لكن الرب يسوع أبى أن ينظر إليها لأنها، كما قال، كانت بشعة طالما أنها تحت وطأة الموت والخطيئة. اضطربت كاترين لهذا الحلم، وعادت إلى الناسك، فتعَلَّمَت وعُمِّدت، ورأت ليلتها يسوع يقول لها:
“ها هي كاترينا الآن مشرقة وجميلة، غنية ومزدانة بالحكمة والحق، الآن اقبلها عروسة نقية”
ولكي تختم والدة الإله خطبة كاترين السماوية، أخذت خاتمًا ووُضِع في إصبعها، وأوصتها بألا تقبل عريسًا آخر لنفسها غير الرب يسوع.
👑 اضطهاد مكسيميانوس الثاني
في عام 307م حضر القيصر مكسيميانوس الثاني إلى الإسكندرية، وكان مستبدًا متكبّرًا يكره المسيحيين، يجد مسرّته في تعذيبهم والفتك بهم، فأمر بتجديد الشعائر الوثنية بعد أن اهتزّت تمامًا بسبب انتشار المسيحية.
أصدر مكسيميانوس منشورًا بوجوب الذهاب إلى المعابد الوثنية وتقديم القرابين لها، وإلا تعرّض الرافضون للعذابات والموت، فوجد الوثنيون فرصتهم لإحياء العبادة الوثنية، وإشعال روح التعصب ضد المسيحيين، وانطلقوا إلى المعابد يحملون معهم الضحايا للذبح.
إذ أراد مكسيميانوس مكافأتهم، أُقيم لهم حفل كبير قُدِّم فيه للآلهة عشرون عجلاً، وأُصدر أمر مشدّد بأن يتقدّم المسيحيون بذبائحهم وقرابينهم للأصنام في هذا الحفل، وإلا لحق بهم الموت. فسُخِر المؤمنون بهذا الأمر، كما لم تخف القديسة كاترين بل كانت تُشدّد المؤمنين وتقوّيهم.
أدركت بأن الاضطهاد سيُحِلّ على المؤمنين، فاتخذت قرارًا أن تتقدّم لمكسيميانوس مندّدة بأصنامه وأوثانه.
⚔️ مواجهة الإمبراطور
في يوم الاحتفال دُهش كل الحاضرين إذ لاحظوا فتاة جميلة في الثامنة عشر تخترق بكل جرأة وشجاعة الصفوف، وتتلّمس المثول لدى الإمبراطور، الذي كان جالسًا بين رجال الدولة وكهنة الأوثان بحللهم الأرجوانية المذهّبة.
بكل جرأة وقفت الفتاة أمام الإمبراطور تقول له:
“يسرّني يا سيدي الإمبراطور أن أترجّاك أن توقف منشورك لأن نتائجه خطيرة”
ثم بدأت تتحدث باتزان وهدوء وبغير اضطراب، وكان الإمبراطور يصغي إليها في ذهول وغضب.
📜 جدال الفلاسفة
استدعاها الإمبراطور إلى قصره وأخذ يعدها بزواجه منها، لكنها رفضت، وبدأت تتحدث عن الإله الحي خالق السماء والأرض وتُهاجم العبادة الوثنية.
أجابها الإمبراطور أنه ليس ملماً بعلوم الفلسفة ليرد على كلامها، وأنه سيرسل لها علماء المملكة وفلاسفتها ليُحضِروا اجتماعًا لمناقضة هذه الشابة المغرورة، كما دعا كبار رجال البلاط والدولة للحضور.
وفي الموعد المحدد، دخل مكسيميانوس يُحيط به كبار رجاله في عظمة وعجرفة، ثم اُستدعيت الفتاة ودخلت في هدوء بغير اضطراب. استعدّت القديسة بالصلاة والصوم وتشدّدت بروح اللَّه القدوس، ثم بدأت المناقشة بينها وبين الفلاسفة الوثنيين، وتحدثت عن السيد المسيح وشخصه وعمله الخلاصي والحياة الأبدية والنبوات التي تحقّقت بمجيئه، وكانت تتحدث بكل قلبها، تحمل سلطانًا كما من السماء، وتحدّثت عن محبة اللَّه المُعلنة خلال الخلاص بالصليب.
🔥 أتون النار
اقتنصت القديسة كاترين قلوب الكثيرين، وطلب الفلاسفة من الإمبراطور أن تواصل حديثها، وأقرّوا بأن عبادة الأصنام باطلة. فانقلب الإمبراطور إلى وحش كاسر، وأصرّ على إيقاد أتون نار يُلقى فيه العلماء والفلاسفة الذين خذلوه، فكانت كاترين تُشجّعهم، وهي تُعلن لهم بأن أبواب السماء مفتوحة وأن السمائيين بفرح يستقبلونهم.
تقدّم الحراس وألقوا العلماء والفلاسفة في أتون النار في ليلة 17 نوفمبر عام 307م.
⛓️ التعذيب والمعجزات
في اليوم التالي، حاول الإمبراطور استمالة قلب كاترين، لكنها رفضت وقالت له:
“كُف أيها الإمبراطور عن التملق في كلامك، فلقد صمّمت أن أخسر حياتي الأرضية ولا أُنكر يسوع المسيح إلهي”
ثار الإمبراطور جدًا وأمر بجلدها بكل عنف، وجُلدت لمدة ساعتين حتى تمزّق جسمها وسالت دماؤها الطاهرة، وأُرسلت إلى السجن حيث شكرت اللَّه وسبّحته على هذه النعمة، وظلّت فيه اثني عشر يومًا متتالية وقد ضُمّد الرب جراحاتها.
👼 دخول الإيمان إلى الإمبراطورة والحراس
سمعت الإمبراطورة بأمر كاترين فتحرك قلبها، وآمنت بالمسيح، كما آمن برفيريوس الحارس وجنوده. لما عاد الإمبراطور من سفر قصير، أمر بقطع رأسها مع الحارس ومائتين من الجنود الذين آمنوا بالمسيح.
ثم حاول الإمبراطور إجبارها على الاستسلام بواسطة آلة بها عجلات مزوّدة بأسنان حديدية حادة، لكن يدًا خفية امتدت وقطعت الحبال، ودحرجت كاترين على الأرض بعيدًا عن الآلة. وخارت قوة الجلادين، فتقطّعت أجسامهم وماتوا.
✝️ استشهاد القديسة كاترين
آمن كثيرون عندما شاهدوا المعجزة، وفقد الإمبراطور صوابه، فأمر بنفيها ومصادرة ممتلكاتها، لكنها تأسّفت لأنها لم تحظَ بشرف الاستشهاد. وفي نوبة جنونية، أمر بقطع رأسها في 25 نوفمبر سنة 307م، وقد استُشهِدت في الإسكندرية.
بعد خمسة قرون، رأى راهب في سيناء الملائكة يحملون جثمانها الطاهر ويضعونه على قمة جبل في سيناء. نُقل الجثمان بعد ذلك إلى كنيسة موسى النبي، ثم إلى كنيسة التجلي في الدير الذي بناه الإمبراطور جوستنيان في القرن السادس، وعُرف باسم دير سانت كاترين.
🏔️ دير سانت كاترين
يقع دير سانت كاترين في جنوب سيناء أسفل جبل كاترين، بالقرب من جبل موسى، ويعد أقدم دير في العالم، ويُعد مزارًا سياحيًا كبيرًا، حيث يقصده أفواج سياحية من جميع بقاع العالم.
يحتوي على كنيسة تاريخية بها هدايا قديمة من ملوك وأمراء، منها ثريات من الفضة وبه بئر يقولون عنه أنه بئر موسى، كما أنه بني حول شجرة يقال أنها شجرة موسى التي اشتعلت بها النيران، فاهتدى إليها موسى ليكلم ربه، وتعد “العليقة” من أشهر المزارات داخل الدير، ومن المعجزات أن أوراق هذه الشجرة خضراء طول العام ولا ينبت مثلها، وقد حاول بعض العلماء زرع جزء منها في أماكن أخرى وباءت المحاولة كلها بالفشل.
الدير يحتوي على مكتبة للمخطوطات، يقال أنها ثاني أكبر مكتبات المخطوطات بعد الفاتيكان، وفندق للزوار وبرج أثري، ويقوم على خدمة الدير بعض أفراد من البدو.
بالإضافة لرفات القديسة كاترين، توجد بالدير (معضمة) تحوي رفات جميع الرهبان الذين عاشوا في الدير. ومن بين مقتنيات المكتبة فرمانات توصى برهبان الدير، من أهمها وأشهرها المخطوط الموجود بالدير وهو الوثيقة الإسلامية الموقعة من كبار الصحابة وهم: أبوبكر الصديق وعمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعثمان بن عفان والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله وغيرهم، ومكتوب بها:
“إلى الرهبان المسيحيين عامة.. لا نغير أسقفاً من أساقفته ولا راهباً من رهبانه، ولا يهدم بيت من بيوت كنائسهم وبيعهم ولا يدخل من مال كنائسهم في بناء مسجد، وأن تحفظ ذمتهم وبيعهم أينما كانوا من بر وبحر في المشرق والمغرب، وفى الشمال والجنوب، وهم فى ذمتنا وميثاقنا وأمانتنا من كل مكروه”
صُمِّمت الكنيسة فى دير سانت كاترين على شكل البازيليكا الرومانية، وأجمل ما فيها الهيكل المبنى على شكل نصف قبة، رسمت عليها صورة المسيح وصور الأنبياء والرسل ومؤسس الكنيسة، وهناك صورة لموسى يتناول الوصايا العشر من يد مدت إليه من أعلى. وعلى يمين المذبح صندوق جميل من الرخام تحفظ فيه يد القديسة كاترين وجمجمتها، أما اليد فمحلاة بالخواتم النفيسة المقدمة كتبرعات وهدايا من زوار الدير، وفى قبو الممر الأوسط توجد فتحات تمثل الشمس وأشعتها والقمر في تربيعه الأول، وهي موجهة ومائلة بشكل يجعل الشمس والقمر يخترقانها فى 25 مارس من التقويم البولياني، وبذلك يضاء المذبح. وهناك كميات من اللمبات الفضية والأيقونات البيزنطية، وكذلك صورة الإمبراطور وزوجته ولمبات أخرى روسية الصنع من الذهب والفضة.