الولادة: 1381
الوفاة: 1457
💍 بول فرديناندوس طالبُ يدِ ريتا
لم يكن شابًّا دمثَ الأخلاق أو محبَّ السلام، بل كان فاسقًا قاسيًا، اشترك أحيانًا بالمبارزة، إذاً كان بإمكانه أن يسبّب شكًّا جسيمًا إذا لم ترضَ ريتا وأهلها بهذا الزواج.
🙏 صبرُ ريتا على محنتها
عندما رأت ذاتها في خطرٍ لا مفرَّ منه، شرعت المسكينة تُكثر الصلوات والأماتات والحسنات، لعلّ الله يُنجّيها من هذا الوغد، لكنّه تعالى أعلم بطرقه منّا، فلم يُصغِ لصلواتها، أو بالأحرى لم يشأ أن يرفع هذا الصليب عنها، لأنّ تدابيره في شأنها كان وحده يعرفها.
لكنّه تعالى، مقابل هذا العذاب، منحها نعمًا أخرى، خاصّة نعمة اهتداء زوجها وخلاص نفسه، وقد حذت بذلك حذو القدّيسة مونيكا والدة القدّيس أوغسطينوس، فاقتدت بمثالها لكي يجعلها مثالَ الصبر البطولي. عند دخولها بيت زوجها تحمّلت بصبرٍ جميل وسكوت حدّةَ طبعه، وإهانته، وشراسة أخلاقه، واعتنت بتدبير وأناقة بيتها ليرى فيه زوجها كلَّ ما يرضيه.
🕊️ اهتداءُ الزوج
كان لزوج ريتا أعداء كثيرون بسبب ميوله للمقاتلة، وعندما كان يُهان كان يترقّب فرص الانتقام. وإذا لم يتمكّن من شفاء غليله، كانت صاعقة غضبه تنقضّ على زوجته المسكينة بالتجاديف المخجلة والكلام الفظّ والضرب القاسي، وقد كادت يومًا لا تُفلت من الموت لو لم تُدبَّر العناية الإلهية ويَحضر أبوها قبل حلول الكارثة. وفي هذه كلّها كانت كالحمل الوديع، تتحمّل بصبر ودون أن تفتح فاها، إلى أن أتى اليوم الذي انتصر فيه الحمل على الذئب، وأعادت نفسَ زوجها إلى الله.
👨👩👦👦 أمومتُها وتربيةُ ولديها
ومن هذا الزواج رزقها الله توأمين: جان جاك وبول، فقبلتهما ككنزٍ ثمين يجب أن تحافظ عليهما بكلّ اعتناء، فكانت تنظر فيهما إلى النفس قبل الجسد. ولا ريب أنّها كرّستهما لله، وصلّت لأجلهما كثيرًا، وخوفًا من أن يرث طفلاها ميول والدهما كانت تزيد في الأصوام والتقشّفات، وتعمل على زرع بذور الفضائل في قلبهما. وبينما كانت ريتا تعتني بتربية طفليها، مات أبواها الفاضلان، حزنت ولا شك، ولكنّها ضاعفت مساعدتهما بصلواتها الحارّة. وهكذا، متمِّمةً واجباتها كابنة وزوجة وأمّ، كانت ريتا تزداد استحقاقًا للسماء، والذي كان يعزّيها على فقد أبويها هو أنّها لم تكرههما في الحياة، ثم لأنّ حياتهما الطويلة كانت حياةً مسيحيةً صرفة.
⚔️ مقتلُ الزوج
منذ رجع زوجها إلى الله، وأصبح يعيش عيشةً مسيحية، أصبحت عائلة ريتا كاملة السعادة، لكنّ الورود لا تنمو ولا تتفتّح هنا إلّا بين أشواكٍ عديدة. فقديستنا التي تمنّت الاقتداء بالمسيح المصلوب، لم يطل الوقت عليها حتّى طُعِنَت برمح الألم الحادّ. فإذا كان زوجها راجعًا ذات مساءٍ من كاسيا، هاجمه أعداؤه السابقون وقتلوه دون عناء، فانفطر قلب ريتا لدى سماعها هذا الخبر المفجع، وكان يهولها مفعول هذه الفاجعة على قلب ولديها من كلّ قلبها. واهتمّت بدفن زوجها دفنةً مسيحية، وشرعت تُضاعف الصلوات والأماتات لراحة نفسه.
✝️ صلاةُ الأمّ من أجل خلاص ولديها
بعد هدوء انفعالها الأوّل على فقد زوجها، حصرت اهتمامها بتربية ولديها، اللذين كان لمَثَلِها الطيّب وأقوالها الصالحة التأثيرُ الكبير على قلبيهما، لكنّ قوّة الشرّ تخنق أحيانًا قوّة الخير، فكانا يسمعان غير أمثالها، وقد دفعهما البعض إلى الأخذ بثأر أبيهما، فأصبحا يخالفان إرادتها، ولا يُصغيان إلى كلامها كما من ذي قبل، وأنّ غريزة الدم سوف تقودهما إلى الشرّ، على أنّها كانت تفضّل خلاصهما الأبدي على حياتهما الزمنية. اتّخذت جانب البطولة، وطلبت من يسوع المصلوب أن يأخذ ولديها بريئين من أن ينقادا يومًا إلى الشرّ.
🌿 مرضُ ولديها وانتقالُهما
مرض ولداها الواحد بعد الآخر، وحاولت أن تعتني بهما أكبر اعتناء، فسهرت عليهما كلَّ السهر حتى لا ينقصهما شيءٌ من العلاجات الضرورية لحفظ حياتهما، ولو كلّفها ذلك أكبر التضحيات. وللرَّدِّ قائلٌ يقول: (ألم تطلب من يسوع ليأخذ ولديها؟). نعم، ولكنها لم تكن ملتزمةً بتركهما يموتان، فقامت بواجبها نحوهما على أكمل وجه، وبكرامةٍ لا مثيل لها، وبما أنّهما لم يكونا صالحين بقدر ما كانت ترغب.
فضّلت أن تقدّمهما ليسوع إذا لزم الأمر، لكن مطهَّرَين بالتوبة. وهكذا صار، فإنّ طوال المرض سكّن فيهما رغبةَ الانتقام، فندِما على خطيئتهما، وتصالحا مع الله، ومات الشابّان الواحد تلو الآخر بعد سنةٍ واحدة من موت أبيهما. وهكذا انقطعت الرباطات التي كانت تعلّقها في الأرض، فبقيت وحدها في العالم متّحدةً بربّها. أجل، بقيت وحيدة، لكنّها أصبحت حرّة.
🏛️ طلبُها الدخولَ إلى الدير
حينئذٍ ودّعت ريتا هذا العالم التعس، متّكلةً على معونة الله، وذهبت تقرع باب راهبات القدّيسة مريم المجدلية الأوغسطينيات، وبيّنت رغبتها الحارّة في الدخول في رهبنيّتهنّ، فرُفِضَ طلبها لأنّها كانت متزوّجة، فعادت دون أن تيأس من رحمة الله، بل داومت صلواتها وإماتاتها وأعمالها الخيرية. وذهبت مرّتَين من جديد تقرع باب الدير المذكور، وفي المرّتَين لم تنل قبولًا.
🙏 رؤيا القدّيسين
فاستسلمت إلى إرادة الله القدّوسة، ووكّلت أمرها إلى القدّيسين شفعائها، وكانت قد ناهزت الأربعين. ورغم وجودها في العالم، كانت تحيا حياةً رهبانيةً محضة، ممارسةً بأمانةٍ المشورات الإنجيلية. وإذا رأى الله خضوعها التام لإرادته القدّوسة، وثقتها الكبيرة برحمته الأزلية، تحنّن عليها. وبينما كانت في إحدى الليالي غارقةً في التأمّل، سمعت صوتًا يردّد: ريتا، ريتا.
فاقتربت من النافذة لترى مَن يناديها وماذا يريد منها، لكنّها لم تشاهد أحدًا، ففكّرت أنّها خُدِعَت، وعادت حالًا إلى التأمّل. لكن لم يمضِ وقتٌ طويل حتى عاد الصوت ينادي: ريتا، ريتا. فنهضت، وفتحت الباب، وسارت في الشارع، فرأت شيخًا مع شخصين آخرين، فعرفت بإلهامٍ أنّهم شفعاؤها القدّيسون.
✨ الدخولُ العجيبُ إلى الدير
يوحنّا المعمدان، وأوغسطينوس، ونيقولا. فطلبوا منها أن تتبعهم، فتبعتهم متحفّظةً كأنّها في حلم. وبقليلٍ من الوقت وصلوا إلى كنيسة دير القدّيسة مريم المجدلية، ورغم أنّ الأبواب مغلقةٌ ومقفلة، والراهبات غارقاتٌ في نومهنّ، فقد أدخلها الديرَ القدّيسون الذين أرسلهم الله ليرافقوها، وتواروا.
⛪ قبولُها في الرهبانية
لمّا نزلت الراهبات صباحًا إلى تلاوة الفرض، دهشن لوجود هذه المرأة القدّيسة التي كانت طُرِدَت مرّاتٍ عديدة من بينهنّ، وكيف تمكّنت من الدخول إلى الدير ليلًا. فأخبرتهنّ ريتا ببساطةٍ أعجوبةَ السماء، وهنّ خضعن لصحّة قولها، وقبولها في الرهبانية بين المبتدئات.
🌸 تقدُّمُها في الفضيلة
ولم يطل الأمر حتى زهت فضائلها، وتألّق بدر كمالها الرهباني، وقد كانت المواهب الخاصة التي أنعم الله عليها بها هدفًا لسوء الفهم والإهانات والآلام التي تكمل النفوس. ولأنّ قديستنا كانت قد تهذّبت في مدرسة المصلوب، فقد قاومت أشدَّ الصعوبات، وتمرّنت على الفضائل الصعبة، وخنقت حبَّ الذات فيها، وتعاطت أحقر الأشغال في الدير وأتعبها.
🌿 الطاعةُ والتقشّف
لكنّ هذه المرأة القوية كانت تجيبه: أنا تكرّست لله مدى الأبدية، وستبقى أمينةً في عهودها مهما كلّفها الأمر. كانت تجلد نفسها ثلاث مرّاتٍ في النهار، وكانت دائمًا تلبس مسحًا من شعر الخنزير، فيها أشواك تمزّق جسدها. قصدت الرئيسة أن تمتحن طاعتها، فأمرتها أن تسقي عودًا يابسًا كلَّ صباحٍ ومساءً، وكان غصنُ كرمةٍ مُعَدًّا للنار، فامتثلت لأمر الرئيسة، وجعلت تسقيه صباحًا ومساءً ببساطةٍ مدهشة. وظلّت على هذه الحالة سنةً كاملة، والراهبات ينظرن إليها مبتسمات، وقد يكون ذلك تخشّعًا أو تهكّمًا.
🌿 أعجوبةُ الكرمة
وفي أحد الأيام نظرت الراهبات باندهاشٍ وحيرةٍ عندما رأين الحياة تدبّ في العود اليابس، الذي نما كرمةً عجيبةً أعطت في حينها عناقيد يانعةً لذيذةً، ولا تزال إلى الآن في بستان دير كاسيا شاهدًا على طاعة الأخت ريتا، فيبارك الكهنة أوراقها وعيدانها المطحونة، ويستعملها المؤمنون مع الصلاة إكرامًا للقدّيسة، فينالون نعمًا كبيرةً، وخصوصًا شفاءاتٍ عجيبةً.
✝️ شوقُها إلى آلامِ المخلّص
إنّ ريتا كانت منذ نعومة أظفارها تشعر بميلٍ قويٍّ إلى آلام المخلّص، بل كانت الآلام دائمًا موضوع تأمّلاتها. وكاسيا ليست بعيدةً عن أسيز، وكانت ريتا تعلم أنّ القدّيس فرنسيس الأسيزي قد قبل في جسمه سماتِ يسوع المصلوب، ورُسِمَت جراحاتُ يسوع في يديه ورجليه وجبينه، وهكذا شاركه آلامه الفدائية.
فأصبحت هي أيضًا تحبّ أن تُختَم بصليب المخلّص، لكنّها لم تعتبر ذاتها أهلًا لهذه النعمة الفريدة، فاكتفت أن تتأمّلها تأمّلًا كان يفقدها الشعور، وكانت الراهبات يحسبن أنّها ماتت. وكانت مرّةً جاثيةً أمام صورة المصلوب، توسّلت بحرارةٍ إلى المعلّم الإلهي لكي يشركها في أوجاعه، وللحال طارت شوكةٌ من إكليل المصلوب وانغرست في جبينها، أذاقتها ألمًا شديدًا حتى أُغمِيَ عليها، وكادت تموت.
🩸 جرحُ الجبين
تحوّل جرح ريتا إلى قائحٍ منتن، فلكي لا تزعج الراهبات برائحتها الكريهة، التزمت أن تنزوي في غرفةٍ بعيدة، حيث كانت راهبةٌ تأتيها بالقوت الضروري. وحملت الجرح الشديد مدّة خمس عشرة سنة، ولم تشعر بخفّة الوجع حتى في نومها، فقاست كلَّ ذلك ليس بصبرٍ فقط، بل بالشكر الجزيل للذي أهّلها لأن تشاركه في آلامه الفدائية.
🌉 رؤيا السُّلَّم
بعد أن نذرت ريتا نذورها الاحتفالية، شاهدت وهي غارقةٌ في التأمّل سُلَّمًا يصعد من الأرض إلى السماء، وفي أعلاه سيّدنا يسوع المسيح، وهو يدعوها لتصعد السُّلَّم بكرامة.
✨ انتشارُ شهرتِها
انتشرت أخبار وساطتها لدى الله، ومقدرتها على قلبه تعالى، فأسرع إليها القاصي والداني، وكانت بصلواتها تنال عجائب الاهتداءات والشفاءات العجيبة.
⛪ حجُّها إلى روما
كانت تعزيتها الكبرى لمّا سمحت لها الرئيسة بالذهاب إلى روما لحضور يوبيل السنة المقدّسة 1450، وربح غفراناتها، ولتزيد نفسها تطهيرًا، وتنال البركة البابوية، وخصوصًا لتُكرّم ذخائر آلام المسيح الموجودة في جبينها. وقد طلبت منه أن يشفي الجرح إلى أن تعود من روما دون أن يزيل ألمه، فاختفى الجرح وبقي الوجع. ولمّا عادت إلى كاسيا، سمح يسوع بأن ينفتح جرح جبينها من جديد، على أنّ ثقل السنين وكثرة الأوجاع والتقشّفات أنهكت قوّة الراهبة القدّيسة، وأرغمتها على أن تُسمَّر على سريرها الفقير القاسي، ولم تعد معدتها قادرةً على احتمال الطعام حتى القليل منه، فأصبح قوتها الوحيد القربان المقدّس.
🕊️ انتقالُها إلى السماء
واستمرّت على هذه الحال أربع سنوات، قاست أثناءها آلامًا لا تُوصَف، وقبل وفاتها بثلاثة أيام ظهر لها السيّد المسيح، تصحبه أمّه القدّيسة مريم العذراء، وقال لها إنّها بعد ثلاثة أيام تكون معه في السماء. وقَبِلَت الزاد الأخير والمسحة المقدّسة، وفي 22 أيّار سنة 1457 فاضت روحها الزكيّة الجميلة، وتركت هذا العالم الغرور، وحلّقت نحو السماء.
🌹 عجائبُ ما بعد الوفاة
وما كادت القدّيسة تلفظ نفسَها الأخير حتى مجّدها الله بكثيرٍ من العجائب، وقد قرعت الملائكة جرس الدير، فأسرعت الراهبات إلى غرفتها، وهنّ يفكّرن برائحة الجرح المنتن، لكن ما كان أشدَّ اندهاشهنّ لمّا اقتربن من الجثّة، فوجدن الجرح مندملًا، تفوح منه رائحةٌ زكيّة، ووجه ريتا جميلًا يطفح بُشرًا وابتسامًا. وقد تقدّمت إحدى الراهبات المشلولة اليد لتعانق القدّيسة، وما إن عانقتها حتى شعرت بشفاء يدها الكامل.
🌹 تكريمُ جثمانِ القدّيسةِ ريتا
نُقِلَ جثمانها إلى كنيسة المعبد، حيث عُرِضَ أيّامًا عديدةً نزولًا عند طلب الجماهير. وشعّ نورٌ برّاقٌ في غرفتها، وانتشرت في أرجاء الدير رائحةُ عطرٍ سماويّ، وتحوّل جرح جبينها إلى ياقوتةٍ وهّاجةٍ كالماس. ونظرًا للحشد الكبير الذي تجمّع في يوم دفنها، التزمت الراهبات بنقل جسدها إلى الكنيسة الخارجة بحفلة انتصار، اشتركت فيها السلطات الدينية والمدنيّة.
✨ انتشارُ العجائب وتكريمُ الشعب لها
ونظرًا لكثرة العجائب التي أفاضها الله على طالبي شفاعتها، نادى بها الشعب قدّيسةً قبل أن تثبّت الكنيسة قداستها. ولمّا تكاثرت الخوارق التي جرت بعد موتها، قرّرت السلطة الكنسيّة والمدنيّة معًا وضع جثمانها في محلٍّ لائق، معروضًا في تابوتٍ من السرو مكشوفًا. وكان الله قد حفظه من كلّ فساد، وينضح رائحةً لذيذةً، وهكذا وُضِعَ في المصلّى داخل الدير تحت مذبح العذراء، وبقي مكرّمًا على هذه الحالة حتى سنة 1595، حيث نقلوه إلى الكنيسة. وبعد سنوات احترق هذا التابوت بسبب شمعةٍ مضاءةٍ وقعت عليه، ولكنّ جسم القدّيسة لم تمسّه النار بأيّ أذى.
⛪ تثبيتُ قداستها واحتفالُ الكنيسة بها
والأعجب في هذا الجسم هو أنّه من حينٍ إلى آخر يتحرّك الجسم بأنواعٍ مختلفة. إنّ دعوى التطويب وتثبيت القداسة تبرهن عن هذا بإثباتاتٍ راهنةٍ وشواهدَ مثبتةٍ من 1626 إلى 1900. ففي سنة 1628 منح قداسة البابا أوربانوس الثامن ريتا شرف الطوباويّة، وفي عام 1900 منحها قداسة البابا لاون الثالث عشر لقب قدّيسة. وبعد أن فُحِصَت العجائب فحصًا غايةً في التدقيق، نُظِّمَ لها قدّاسٌ خاصّ وصلواتٌ عديدةٌ إكرامًا لها، وعُيِّنَ الثاني والعشرون من شهر أيّار في كلّ سنةٍ عيدًا لها.