الولادة: 1556
الوفاة: 1627
Beato Geremia da Valacchia-Cappuccino
👶 الميلاد والنشأة
وُلِد جيوفاني كوستيك في 29 يونية 1556م في بلدة ساكسو من إقليم فلاشيا (مولدافيا السفلى) – رومانيا. كان أبوه المزارع ستويكا كوستيست، وأمّه مرجريت بارباتو مسيحيَّين كاملين، وكانا يسهران بعناية لحفظ إيمان الصغير المُعرَّض للانطفاء في ناحية اجتاحتها الهرطقة.
لذلك عائلة كوستيك المؤلَّفة من الأبوين ومن سبعة أولاد، كانت معتبرة كعائلة مثالية. كان ستويكا حنون القلب يفتح يده دائمًا لتوزيع خبز المحبّة على الفقراء، والله كافأه بتكثير الخبز في معجنه والحبوب وكافّة المؤونة لديه.
والأم لم تكن أقلّ فضيلة من زوجها، بل كانت له نعم المنافسة، وسوف تظهر لابنها بعد موتها وتقول له: «يا بني، يا بني العزيز، اشكروا الله عنّي، وأنا صاعدة إلى السماء لأنني حفظت الناموس الإلهي وحفظت أيضًا بلا عيب الإيمان المسيحي وسط الهرطقة».
إن تعاليم الأبوين المسنودة بمثل هذه الأمثال كانت تُحدث في نفس الولد ثمارًا عجيبةً. ولمّا بلغ الثانية عشرة عمل مع أبيه في حراثة الحقول وحراسة القطعان، فجعل يقتدي بأمثال أبيه ويعطي الفقراء القسم الأكبر من طعامه.
ولمّا كبر جعل يساعد المسنّين ويخفّف أتعابهم بالعمل لأجلهم. لم يحبّذ الجميع سلوكه، بل كان رفاقه يهزؤون به وسكان ساكسو يعتبرونه معتوهاً. لكنّه داوم أعماله الخيّرة وكان يتجنّب الناس ويمارس بدوام كافّة الصلوات.
✨ الدعوة الإلهية
في أحد الأيام ظهر له شيخ جليل وقال له: «يا بني، أمامك سفر طويل يجب تتميمه، لكن تحت سماء أرحم من هذه، ستتقلّد خدمة سيّد كلّي الاقتدار، فتهيّأ لخدمته بسرعة قلب. إنّه تعالى سيكافئ خدماتك فتذوق سعادةً لا يمكن العالم أن يقدّمها».
فهم جيوفاني أن الله يدعوه إلى الحياة الرهبانية، ففاتح أمّه أولًا، وهي بدورها شجّعته بحرارة، لكن قالت له: «لا تترهّب في فلاشي حيث الرهبان لا يحقّقون هدف الرهبانية الجميل، بل في إيطاليا».
فغادر جيوفاني بلده رومانيا سرًّا، وفي الطريق سلبه السارقون أمتعته ودراهمه، فتابع طريقه متّكلًا على العناية الإلهية. لكن كم من المحن ألمّت به! بل كانت سفرته ملحمةً حقيقيةً.
⛪ الدخول إلى الرهبنة
ذهب يقرع باب دير الرهبان الكبوشيين، فقال له البوّاب: «ماذا تريد؟». فردّ عليه قائلًا: «أن أخلّص نفسي».
فقُبِل في الابتداء وارتدى الثوب الرهباني وأُعطِي اسم إرميا. ولمّا أبرز النذور الرهبانية عيّنوه طباخًا لدير سسافيكيا، فسافر مأسوفًا عليه من الجميع لأنهم كانوا يعتبرونه ملاكًا.
قام بخدمته قيامًا نال رضى الجميع، كان يرى يسوع في شخص رئيسه ويرى الرسل في باقي الرهبان.
⚔️ جهاده ضد التجارب
إن التأمل الحي في آلام يسوع كان يُبقيه في حرارة كبيرة، وفي هذه الأوان كان الشيطان يشنّ حروبًا عليه، فيوقظ فيه تجارب جسدية هائلة ويُريه مشاهد شهوانية في مخيلته.
في أحد الليالي كان هذا المصارع الجريء خارجًا من الكنيسة، فظهر خيال مريع وقال له هاتفًا: «أنا صديق الدنس، أشهر أمام الشبيبة سلاح الفساد، واسمي الروح الدنس. كم من الذين يرغبون العيش في الفضيلة فأوقعتهم. أمّا أنت فبالرغم من جميع إغراءاتي قد رفضتني دائمًا ورذلتني».
فأجابه الأخ إرميا بهزء: «يجب أن تكون شيئًا جميلًا لأن كل واحد يحتقرك، وأن مخلوقًا ضعيفًا مثلي انتصر على قوتك المزعومة. ومن الآن فصاعدًا لن أخافك أبدًا. فالذي حماني إلى الآن هو قادر أن يدافع عنّي أيضًا».
ثم عاد الأخ إرميا إلى الكنيسة وخرّ على وجهه أمام القربان المقدس وشكر الرب على هذا الانتصار الذي حازه.
إن محنًا أخرى مؤلمة للغاية أُضيفت إلى هذه المحنة؛ كآبة النفس ويبوسة الروح استولتا عليه مدة سنين عديدة وتركتا لقلبه المحب عذابات لا تُحصى.
❤️ خدمة المرضى
أُرسِل من سسافيكيا إلى دير نابولي ليمارس خدمة ممرّض. هناك محبته العذبة تجاه الجميع تحوّلت إلى أعمال بطولة متواصلة في خدمته.
أُرسِل إلى دير سانتي أفرام ليحرث البستان، فما كاد يصل إلى الدير حتى باشر عمله وصارت الأرض جاهزة للزراعة.
فرجع إلى دير نابولي فخدم أحد الرهبان اسمه مرتينوس، فقدم له كل عناية رغم القرف الشديد. كان جسم المريض جرحًا واحدًا من الرأس إلى القدمين، وكانت تفوح من جرحه المنتن رائحة كريهة خانقة، وما كان بقدر الأطباء والممرضين على الاقتراب من قلايته إلا وبيدهم دواء مطهّر قوي.
وكان هذا الراهب المسكين يطلب صلاة كل إخوانه الرهبان لعل أوجاعه تخف، لكنه لم يفلح. لكن طلب من الأخ إرميا، فصلّى لأجله فشُفِي للحال.
كان الأخ إرميا سمع صوتًا يلومه قائلًا: «قد غلطت يا بني، فاذهب إلى أمام القربان وبقلب منسحق متواضع اطلب من يسوع الصفح عن صلاتك العديمة الفطنة وقل فقط: لتكن مشيئتك يا رب».
وكانت إرادة الله أن تعود إلى الراهب مرتينوس عذاباته، فما كاد الأخ إرميا ينهي صلاته حتى عاد الراهب إلى ما عليه من الجراح والوضع، فأُوكِل به ممرضه الذي اعتنى به إلى الموت.
إن هذا الراهب القديس كان للجميع ممرضًا مثاليًا، وكانوا يسمونه «يد المرضى اليمنى».
🤝 خدمة الفقراء والمحتاجين
كانت محبته تنتشر خارج الدير أيضًا. كانت يداه مزيّنتين بلطف الأم للعناية، وشفّتاه تقطران التعزية.
بعد المرضى يأتي الفقراء، وكان يعطيهم لقمة فمه ويرضى الجميع بهم. يوصي المتسوّل والبوّاب والبستاني ليكونوا كرماء.
كان يذهب يقرع أبواب الأغنياء ويصيح في الساحات قائلًا: «يا سكان البلدة الأعزاء، هذه سنة ربح الفردوس. تذكّروا أنكم تصنعون مع المسيح ما تصنعونه مع الفقراء أعضائه. أعطوهم الخبز فتأخذوا السماء بدل الخبز».
ولأجل المساكين أقام مخزن توزيع، وكان يشرك في أعماله الخيرية الشباب الكثيرة التي كانت صديقة له، وبواسطته صارت هذه الشباب ممولة التعساء والحبساء وذوي الحاجات.
📖 المعلّم الروحي
في الدير أسس مدرسة. إن جوقة من الرهبان الحارين اتخذوه معلّمًا لهم وامتازوا للحال عن باقي الرهبان، وكانوا يقولون: «هذا الراهب من مدرسة الأخ إرميا».
كان يحث تلاميذه ليذهبوا ويتلوا فرض نصف الليل، ويقول لهم إن الفرض الإلهي أفضل شيء يُقدَّم لله بعد ذبيحة المذبح.
كانت صلاة «الأبانا» صلاته المفضلة، ولها في فمه مفعول مطلق. وكان يصلي بشديد الحرارة من أجل النفوس المطهرية.
👑 ظهور العذراء مريم
في أحد الليالي كان غارقًا في الصلاة، فسطع بغتة نور جليل على المذبح، وفي وسط النور ظهرت العذراء مريم، وكانت تخرج من وجهها أبهى أنوار تبهر نور الشمس، وشعرها العريض كان مسترسلًا على كتفيها.
لم يكن تاج على رأسها، بل ابنها الإلهي على يمينها. وكانت ملتحفة برداء أبيض من الثلج تكتنفه نجوم لامعة.
عند هذا المنظر تساقط الأخ إرميا على الأرض ولم يجسر أن ينظر إلى هذه الرؤيا العجيبة. لكنه سمع صوتًا يقول له: «انظر إلي».
فأجاب الأخ إرميا مرتجفًا: «ملكة السماء والأرض، لم تعد عندي قوة، فهلمي إلى مساعدتي».
أجابت العذراء: «انهض وانظر إلي».
حينئذ نظر الأخ إرميا إليها وقال: «لماذا ليس على رأسك إكليل وهاج؟».
أجابت: «إن إكليلي هو ابني. أمّا أنت أيها الأخ إرميا فعلّم الناس أن يتلوا تسع مرات الصلاة: السلام عليك أيتها الملكة أم الرحمة والرأفة، وذلك إكرامًا للشهور التسعة التي فيها حملت ابن الله في أحشائي: ثلاث مرات للخطأة، وثلاث مرات للمنازعين، وثلاث مرات للنفوس المطهرية». قالت هذا واختفت.
فأُجبِر الأخ إرميا أن يوحي للمصور لينسخ الرؤيا طبق الأصل، ووُزِّعَت الصور وأُطلِق عليها اسم «صور الأخ إرميا».
✝️ محبته للمسيح والقديسين
وكان أيضًا مكرمًا للقديسين بطرس وبولس والملاك ميخائيل والقديس فرنسيس الأسيزي.
وماذا نقول عن حبه ليسوع المصلوب؟ كان يصوم إكرامًا له كل نهار جمعة على الخبز والماء، ما عدا الجلد الدامي والمسوح المريعة التي يلبسها.
ونشر عبادة مسبحة الآلام، وأُطلِق عليها اسم «مسبحة الأخ إرميا»، وتقوم بتلاوة ثلاث وثلاثين مرة «الأبانا»، وفي النهاية تُتلى صلاة كتبها الأخ إرميا.
🕯️ عبادة القربان المقدس
بين كل العبادات، أهمها كانت عبادة سر القربان. كان يحضر القداس الإلهي راكعًا دون حراك، وعبادة سر المذبح هي علامة وختم حياته الرهبانية التي كانت تنمو حول بيت القربان.
ولمّا كان يخرج إلى المدينة، كان يتوقف في الكنائس، وأثناء الصلاة يُبان غارقًا في الانخطاف الروحي العميق.
👦 محبته للأطفال
وما كان ألذّه مع الأولاد! إن قفّته مليئة دومًا من المأكولات، وحالما الأولاد يلمحونه كانوا يسرعون إليه.
قبل التوزيع كان الأخ إرميا يعلمهم أصول التعاليم المسيحية، حتى إن الكهنة كانوا يقولون: «عندنا الأخ إرميا يساعدنا بتعليم أولاد رعيتنا».
كان لطيفًا مع الجميع إلا مع نفسه. يعامل جسده بكبير القساوة، وإذا عملوا له ملاحظة في هذا الأمر يجيب: «ليس الجسد إلا كيس دود».
🌟 المرض والوفاة
قام بعمل أعاجيب كثيرة. ذات يوم في المساء أصابته حمى شديدة، فدُعِي الطبيب بسرعة وأعلن أن المرض مميت.
وبما أنه كان معتبرًا جدًا، أرسل الأسياد الأغنياء والسيدات الكبيرات طبيبهم الخاص. ويمكن القول إن المدينة بأسرها أتت تزوره، وكان يعطي كل واحد المشورة اللازمة.
وإذ علم بقرب ساعته الأخيرة، اعترف اعترافًا عامًا لدى معرّفه الأب متى من نابولي، وقبل الزاد الأخير.
رقد بهدوء بالرب في الخامس من مارس، وعمره 79 سنة.
🌹 بعد الوفاة والتطويب
احتشدت الجماهير الغفيرة حول جثمانه، والتزم الواعظون أن يتركوا الوعظ لعدم وجود من يسمع، والتزموا أن يسرعوا إلى رجال الأمن حتى يبقوا النظام. وكان المأتم كحفلة انتصار.
وكثرت النعم والعجائب الباهرة حتى إنه بعد موته بسنتين، في 26 سبتمبر 1627م، التزموا أن يدرجوا دعوى تطويبه.
تم تطويبه، وهو أول روماني، في 30 أكتوبر 1983 من قبل يوحنا بولس الثاني. تذكار العيد في 5 مارس.