سبعة عشر عاماً من الانتظار، ولمسة غيّرت المسار
لا أعلم إن كنت أسمّيه مرضاً، أم زائراً ثقيلاً. فقد مكث في حياتي طويلاً، حتى كدت أعتاد وجوده في داخلي، كما يعتاد الإنسان صوت ساعة قديمة في بيت عاش فيه سنوات طويلة.
في البداية، يُزعجه صوت عقاربها، ثم مع الوقت لا يعود يسمعه، لا لأنّها توقّفت، بل لأنّه تعلّم أن يتعايش مع حضورها.
هكذا كان قلبي.
منذ عام 2002 بدأت أعاني من خوارج انقباض قلبيّة، أي عدم انتظام في ضربات القلب. في البداية لم أكن أفهم كثيراً ما الذي يجري داخل صدري. كنت أشعر أحياناً بضربة قويّة، ثم ارتباك، ثم تسارع، ثم هدوء مؤقّت، ثم شعور بتوقّف لحظي، ثم عودة مفاجئة. كان الأمر أشبه ببحر يبدو ساكناً من بعيد، لكن في أعماقه تيّار لا يهدأ.
كنت يومها في سوريا. زرت أطبّاء كثيرين، وسمعت العبارات نفسها تتكرّر بصيغ مختلفة:
الحالة ليست خطيرة، لكنّها مزعجة.
الحالة تحتاج إلى متابعة، لكن لا داعي إلى الهلع.
الحالة لا يمكن التعايش معها بسهولة، ويجب عدم إهمالها.
الحالة قد تتطوّر، ويجب معالجتها.
ما أصعب أن يقول لك الطبّ إنّ ما تعانيه ليس مميتاً، لكنه في الوقت نفسه لا يمنحك راحة العيش.
فالمريض بشكل عام، لا يرهقه الخوف من الموت بقدر ما يتعبه أن يعيش كلّ يوم بنصف طمأنينة. وهذا تماماً ما عشته.
كان يلازمني، قريباً من أنفاسي، حاضراً في تفاصيل يومي، في عملي، وفي نومي وصلاتي. شيئاً فشيئاً، بدا كأنّه جزء منّي، مع أنّني لم أقبله يوماً.
ومع مرور السنوات، تعلّمت أن أتابع حياتي رغم كلّ شيء. كنت أذهب إلى عملي، أجلس مع عائلتي، أؤدّي مسؤولياتي، أبتسم وأتحدّث، وأبدو طبيعياً في نظر الكثيرين. لكن في داخلي كان هناك شيء لا يسير على ما يرام. كان قلبي، الذي يُفترض أن يكون مصدر الطمأنينة، يتحوّل أحياناً إلى عبء صامت، لا يراه أحد.
بعد هجرتي إلى السويد، بدأت أتابع الوضع الصحي مع الأطبّاء من جديد. تصوّرت في داخلي أنّ الزمن ربّما غيّر شيئاً، أو أنّ طبّاً أدقّ سيعطيني جواباً مختلفاً، أو علاجاً يُنهي هذه القصّة التي طالت أكثر ممّا يجب. لكن النتيجة جاءت مشابهة لما سمعته في سوريا:
المشكلة ليست قاتلة، لكنها تحتاج إلى علاج.
المشكلة ليست بسيطة تماماً، لأنّها قد تسوء مع الوقت.
وهكذا دخلت مرحلة جديدة من المتابعة، لكن المرض لم يخرج من حياتي. بقي هناك، ينتظر، كأنّه يعرف أنّ له موعداً آخر معي.
ومع بداية شهر آب من عام 2017، لم يعد الأمر كما كان. لم يعد مجرّد انزعاج أحتمله وأقول لنفسي: سيمرّ. بدأت أشعر أنّ الوضع يسوء فعلاً. بات التعب أوضح، والضربات المزعجة أكثر حضوراً، والإحساس بثقل الاضطراب أشدّ وأطول. لم يعد قلبي يرسل إشارات متفرّقة، بل بدأ يعلن تعبه بصورة لا يمكن تجاهلها.
اقترح الأطبّاء أن أبدأ علاجاً دوائياً للمساعدة على تنظيم ضربات القلب وتهدئة النبضات القويّة. وافقت، كما يوافق كلّ إنسان يريد أن يتمسّك بأيّ باب قد يفتح له منفذاً إلى الراحة. بدأت العلاج، وانتظرت. يوماً بعد يوم، وأسبوعاً بعد أسبوع، وشهراً بعد شهر. كنت أراقب نفسي، أنتبه إلى صدري، وأفتّش عن فرق، وعن تحسّن، وعن هدوء، وعن أيّ إشارة تشجّعني على الاستمرار مطمئناً. لكن شيئاً من ذلك لم يحدث.
تابعت العلاج قرابة عام كامل، من دون جدوى حقيقيّة. بل إنّ الأمر، على نحو صادم، لم يتوقّف عند حدود الفشل فقط، بل أخذ يزداد سوءاً يوماً بعد يوم. فقد تجاوز عدد ضربات القلب غير النظاميّة الحدّ الطبيعي المقبول بأكثر من ثمانين ضعفاً، حتّى وصل في اليوم الواحد إلى ما يقارب أربعة وعشرين ألف ضربة إضافيّة، خارجة عن النّظم الطبيعي للقلب.
كان قلبي يعيش فوضى لا تهدأ، كأنّه آلة فقدت انتظامها، بينما بقي الأطبّاء عاجزين عن إيجاد تفسير يوقف ذلك التدهور المستمر. فآلاف الضربات الإضافيّة كلّ يوم ليست مجرّد رقم في تقرير طبّي، بل تعب يتوزّع على ساعات النهار والليل، وإرهاق يتسلّل ببطء إلى الجسد والنفس معاً، وقلق ينام معك ويستيقظ في داخلك كلّ صباح.
عندها قال الأطبّاء كلمتهم بوضوح:
لم يعد العلاج الدوائي كافياً.
أنت بحاجة إلى تدخل علاجي.
أذكر تلك المرحلة جيّداً. لم أكن منهاراً نفسيّاً كما قد يظنّ البعض. على العكس، كنت أشعر أنّ الربّ يُسنِدني بطريقة هادئة. لم أتغيّب عن عملي، ولم أعتزل الناس، ولم أسمح للمرض أن يبتلع شخصيّتي. كنت أتابع مسؤولياتي على صعيد الأسرة والعمل. كنت أقول في داخلي: الحمد لله على كلّ حال.
ليست هذه العبارة مجرّد جملة يردّدها المؤمن عند الشدّة. أحياناً تكون هذه الكلمات حبلاً روحيّاً يمنع الإنسان من السقوط في داخله.
لكن بين الصبر والتسليم، كان هناك واقع ثقيل لا يمكن إنكاره:
قلبي متعب، وحياتي دخلت مرحلة حسّاسة، والأطباء بدأوا يقترحون تدخّلًا علاجياً متخصّصاً، يُعرف بالكيّ القلبي عبر القسطرة.
فيما يلي مقتطف مباشر من تقرير طبّي صادر عن طبيب في مستشفى كارولينسكا في ستوكهولم:
أخبرني الأطبّاء أنّها إجراء بسيط نسبيّاً، وأنّ نسبة نجاحها تصل إلى ثمانية وتسعين بالمئة، وأنّها لن تستغرق، في حالتي، أكثر من ساعة إلى ساعتين. في تلك اللحظات، يتعلّق الإنسان بالأرقام كما لو أنّها حبال نجاة. فثمانية وتسعون بالمئة لا تبدو مجرّد نسبة، بل وعد مبطَّن بالأمان، ونافذة تُفتح نحو الاطمئنان.
جاء موعد العمليّة في منتصف شهر نيسان عام 2019، في مستشفى كارولينسكا، وكان الطبيب الذي سيُجري لي العمليّة يُدعى أ . س.
أخبرت أسرتي وإخوتي المقيمين في السويد بموعدها، لكنّني طلبت منهم، بمحبّة، ألّا يُعلموا أحداً حاليّاً. لم أكن أريد أن أقلق أحداً، وبصورة خاصّة أبي وأمّي البعيدين عنّي آلاف الكيلومترات. هناك أحزان يحاول الإنسان أن يحملها بصمت، لا لأنّها خفيفة، بل لأنّه لا يريد أن يوزّعها على قلوب من يحبّ.
دخلت غرفة العمليّات وأنا أحمل هذا المزيج الغريب من الخوف الهادئ والرجاء المكتوم. كنت أقول في نفسي إنّ الأمر سيمرّ، وإنّني بعد ساعات قليلة سأخرج، وقد بدأ فصل جديد من الراحة.
لكن الساعات مرّت… ولم أخرج.
بدل أن تستغرق العمليّة ساعة أو ساعتين كما قيل لي، امتدّت قرابة خمس ساعات. وخلالها، كنت أتابع ما يحدث على شاشة كبيرة بجانبي، متنقّلاً بين لحظات وعي وأخرى كان يغيب فيها إدراكي تحت تأثير التخدير الموضعي والمهدّئات. كنت أرى قلبي أمامي، ينبض، ويُفحَص، ويُعالَج… وأحياناً يتألّم.
مشهد لم أتخيّل يوماً أن أراه.
ومع ذلك، لم أكن أدرك أنّ لحظة خطيرة كانت تقترب.
ثمّ حدث ما لم يتوقّعه أحد.
ثقب مفاجئ في القلب، ونزيف دموي حادّ.
في لحظة واحدة، تحوّلت عمليّة وُصفت بأنّها بسيطة إلى خطر حقيقيّ.
فاضطرّ الأطبّاء إلى إيقافها مباشرة.
وبدل أن أخرج من المشفى مطمئناً، وجدت نفسي أُدخَل إلى العناية المشدّدة في مواجهة مع ما لم أكن مستعدّاً له.
بعد أيّام استقرّ وضعي الصحّي، وغادرت المشفى. لكنّ الخروج هذه المرّة لم يكن خروج المنتصر. كنت قد نجوت من خطر حقيقيّ، نعم، لكن المشكلة الأساسيّة لم تُحلّ. ما زالت ضربات القلب غير منتظمة، وما زال الحديث قائماً عن إجراء عمليّة ثانية بعد فترة من الزمن.
يستطيع الإنسان أن يواجه الألم مرّة واحدة بشجاعة، لكنّ العودة إلى الباب نفسه، بعد أن كاد يبتلعه في المرّة الأولى، تحتاج إلى قوّة من نوع آخر.
خلال شهري أيّار وحزيران من عام 2019، كنت تحت مراقبة دوريّة، وقد دخلت قسم الطوارئ مرّتين للسبب نفسه: عدم انتظام شديد في ضربات القلب، وآلام في الصدر، وإحساس متزايد بأنّ الأمر لم يعد يحتمل التأجيل.
أصرّ الأطبّاء على ضرورة إعادة العمليّة بأسرع وقت. قالوا بوضوح إنّني بحاجة ماسّة إليها، وإنّ حالتي بدأت تُشكّل خطراً حقيقياً على حياتي.
كانوا يتحدّثون بلغة الطبّ، وأنا أفهمها جيداً.
لكنّ داخلي كان في مكان آخر تماماً.
كيف أعود إلى عمليّة كادت تنهي حياتي قبل أسابيع؟
كيف أطلب من قلبي أن يثق مرّة أخرى؟
كيف أدخل الغرفة نفسها… وكأنّ شيئاً لم يحدث؟
وكيف أُقنع نفسي أنّ ما فشل مرّة، قد ينجح في المرّة التالية؟
وسط هذا كلّه، كنت أعود إلى الصلاة.
لا صلاة متكلّفة ولا مزخرفة، بل صلاة صادقة لحوحة، تخرج من إنسان متعب.
وأحياناً، كانت تتحوّل إلى إلحاح شديد، إلى رجاء لا يتراجع، كأنّني أصرّ في داخلي أنّك، يا ربّ، قادر على كلّ شيء.
كنت أقول: “يا رب، بلمسة منك يتمّ شفائي. ”
“أنا أنتظرك يا رب. ”
“المس هذا البركان الذي يثور في صدري، وأخمِده. ”
كنت أكرّر هذه الصلاة بإلحاح. لم يكن إلحاح اعتراض، بل إلحاح ابن يعرف أنّ باب أبيه مفتوح. كنت مؤمناً أنّ الربّ قادر، وأنّ الطبّ مهما تقدّم يبقى تحت سلطانه، وأنّ التقارير ليست الكلمة الأخيرة إذا قال الله كلمة أخرى.
اللقاء الروحي الذي لم أتوقّعه
في السابع والعشرين من حزيران عام 2019، عاد ابني الكبير من رحلة كشفية قضاها في لبنان، حاملاً معه هدايا تذكارية للأسرة. طلب منّا أن نُغمض أعيننا وهو يقدّم الهدايا، في ذلك الفرح العائلي البسيط الذي لا يوحي بأنّ شيئاً كبيراً يقف خلفه. فتحنا أعيننا، وكانت أوّل هدية لي تمثالاً للقديس مار شربل.
ولأكون صريحاً تماماً، لم تكن تلك الهدية سارّة في داخلي.
أنا أكرّم القديسين، وقد يختلف معي البعض، لكن مع ذلك علاقتي بالقديس مار شربل تحديداً لم تكن مريحة. كان يزعجني ما أراه أحياناً من مبالغات بعض الناس في تكريمه، حتى يكادوا يرفعونه إلى مقام لا يليق إلا بالله. لذلك كنت أتحفّظ عليه، وأتجاهل ذكره أحياناً، وأتجاوز الترانيم الخاصة به. لم يكن في قلبي عداء شخصي له، بل اعتراض على ما يُنسب إليه في وعي بعض الناس على نحو يربك الإيمان الصحيح.
في تقليد العديد من الكنائس المسيحية التي تؤمن بشفاعة القدّيسين، لا تُفهَم هذه الشفاعة على أنّها مشاركة لله في مجده أو سلطانه، بل على أنّها طلب صلاة من أشخاص عاشوا بالقرب من الله ويُنظر إليهم كأعضاء أحياء في شركة المؤمنين. فالله وحده هو مصدر النعمة والخلاص، أمّا القدّيسون فدورهم، بحسب هذا الفهم، يقتصر على الصلاة والتشفّع. لذلك، حين يذكر المؤمن قدّيساً بإكرام أو يطلب شفاعته، فإنّه لا يوجّه العبادة إلا إلى الله وحده، لأنّ السجود والعبادة لا يليقان إلا بالله.
لهذا، تظاهرت بالامتنان أمام ابني وعائلتي، لكنّ داخلي كان صامتاً لا يفرح. طلبت من زوجتي ألّا تنزع الغلاف الشفّاف عن التمثال، وكأنّني أُبقي مسافة بيني وبينه.
وقلت في داخلي جملة قاسية ما زلت أتذكّرها جيداً:
أتمنّى ألّا يكون وجود تمثال مار شربل في منزلنا نقمة علينا.
نعم، هذا ما قلته.
لكن بينما كان ابني يقدّم بقيّة الهدايا لوالدته ولأخيه الأصغر، انتقلت بخيالي إلى عالم آخر، ودار في أعماقي حوار صامت وسريع بيني وبين القدّيس، لا أستطيع أن أصفه إلا كما حدث. كأنّ القدّيس كان يقول لي:
“أنا أستطيع أن أشفي.”
فأجبته في داخلي:
“أنا واثق أنّك تتشفّع لنا أمام الربّ، لكن ألا ترى أنّ البعض قد وضعك في مكان الربّ نفسه؟”
فجاءني جواب واضح:
“لا، أنا لست إلهاً. أنا أتشفّع وأتوسّل إلى الربّ من أجلكم، أمّا ما يبالغ به بعض البشر فهذا شأنهم، لا شأني. ”
كانت لحظات قصيرة، لكنّها لم تكن عابرة… أحسست بدهشة.
بعد ذلك، أخذت قطرة من الزيت الذي جلبه ابني من دير عنّايا، ومسحت بها جبيني، وقلت ببساطة وإيمان:
“يا ربّ، بشفاعة القدّيس شربل، المس قلبي.”
بقي ذلك الحوار الصامت الذي دار بيني وبين القدّيس سرّاً دفيناً في داخلي، لم أبح به لأحد، ولا حتى لعائلتي.
في صباح اليوم التالي، استيقظت، ومضيت في يومي كأنّه يوم عادي لا يحمل أيّ استثناء. والعجيب أنّ كلّ ما حدث في الأمس تلاشى من ذهني تماماً: التمثال، ذلك التخاطُر الصامت بيني وبين القدّيس، ومسحة الزيت. كأنّ ستاراً خفيّاً قد أُسدل على تلك الأحداث، أو كأنّ الربّ شاء، بحكمة لا أفهمها، أن يُبعدها عن وعيي لبرهة من الزمن.
في المساء شعرت بشيء غير معتاد. كان قلبي أشبه ببحر هدأت أمواجه، وكانت الضربات منتظمة. كان هناك تغيّر لا أملك له تفسيراً. قلت في نفسي، ثم للعائلة:
أشعر، للمرّة الأولى، أنّني اليوم مرتاح من الاضطرابات القلبية.
ومع ذلك، لم أربط الأمر بشيء حدث في الأمس، لا لسبب سوى أنّ الأمس نفسه كان قد اختفى من ذهني على نحو عجيب لا يُصدّق.
وفي اليوم التالي، حلّ يوم السبت، التاسع والعشرون من حزيران عام 2019.
كنت مع عائلتي في نزهة عند بحيرة جميلة وسط ستوكهولم تُدعى Ulvsjön. كانت الطبيعة آسرة، والجوّ صيفياً دافئاً، والماء صافياً، والمكان هادئاً على نحو يملأ النفس بالسكينة.
دخلت الماء، واستلقيت على ظهري، وعيناي مغمضتان من شدّة أشعّة الشمس. كانت أذناي مغمورتين بالماء، وفي ذلك الصمت الغريب الذي يعزل العالم من حولك، كنت أسمع دقّات قلبي بوضوح لافت، كأنّها الصوت الوحيد الحاضر في هذا الكون الهادئ.
وفي تلك اللحظة، قلت في نفسي:
“الحمد لله، نبض القلب سليم اليوم أيضاً.”
وفجأة، ارتسمت في مخيّلتي صورة القدّيس شربل بوضوح تامّ، وسمعتُ صوته يهمس في داخلي قائلاً:
“وهل نسيت شفاعتي؟”
“وهل نسيت شفاعتي؟”
نعم، سمعتها مرّتين.
وقفتُ فوراً في الماء، مذهولاً. سعادة غامرة من جهة، وحزن داخلي من جهة أخرى، لأنّني كنت قد نسيت تماماً ما حدث قبل يومين: الهدية ومسحة الزيت. خرجت من الماء وأنا أسأل نفسي:
“هل حقّق الربّ مطلبي حقّاً؟“
“هل شفاني الربّ بعد هذه المعاناة الطويلة؟“
“هل خمد البركان الذي في صدري منذ أن مسحت الزيت على جبيني ودخل مار شربل بيتي؟”
طلبت من أسرتي أن نعود إلى المنزل. لم أشرح شيئاً. لم أستطع. كنت أحتاج أن أكون وحدي مع قلبي، ومع الحقيقة التي بدأت تتكشّف أمامي.
ما إن وصلنا المنزل، حتى دخلت غرفتي وأغلقت الباب. أحضرت الجهاز الذي اعتدت استخدامه منذ سنوات لمراقبة انتظام ضربات القلب، ووصلته على ساعدي، وانتظرت النتيجة باهتمام لم أعرف مثله من قبل.
ظهرت النتيجة.
نبض طبيعي.
منتظم.
هادئ.
لا توجد خوارج انقباض.
لا ضربات إضافية مرهقة.
لا انفلات في الإيقاع.
أغلقت الجهاز… وانهرت بالبكاء.
بكيت بكاءً مُرّاً وصادقاً، كطفل صغير، لكن بصوت خافت يكاد لا يُسمَع، كأنّني أخشى أن يكشف هذا الانهيار ما تراكم في داخلي عبر السنين. لم تكن دموعي دموع تلك اللحظة وحدها، بل كانت دموع سنوات من المعاناة، وفشل العمليّة، والحوار الغريب، ومشهد القدّيس وصوته في مخيّلتي عند البحيرة، وتلك النتيجة التي ظهرت على شاشة جهاز فحص القلب؛ نتيجة لم أرَ لها مثيلاً طوال السنوات الماضية.
وفجأة دخلت زوجتي الغرفة، فرأت مشهداً لم تعهده منّي من قبل. رأتني أبكي بحرقة شديدة، كطفل صغير انفجرت دموعه بعد صبر طويل. توقّفت مذهولة، وظنّت أنّ مصيبة قد وقعت، أو أنّ خبراً مؤلماً وصلني فجأة.
اقتربت منّي بقلق شديد، وأصرّت أن تعرف ما الذي حدث. لكنّني، من شدّة البكاء، لم أستطع أن أقول إلاّ كلمات قليلة خرجت منّي بصعوبة:
اطمئنّي… كلّ شيء بخير.
شهادة الشفاء بلغة الطبّ
بعد ثلاثة أيّام، أي في الأوّل من تمّوز عام 2019، كان لديّ موعد مسبق في المشفى لتركيب جهاز يُدعى جهاز هولتر (Holter)، وهو جهاز يُسجّل نبضات القلب لمدّة أربع وعشرين ساعة متواصلة أو أكثر. ذهبت إلى المشفى، فقاموا بتركيب الجهاز، وعشت يومي كالمعتاد، ثم سلّمته في الموعد المحدّد.
وبعد أيّام قليلة، وصلني التقرير الطبّي.
فتحته بترقّب شديد، وبدأت أقرأ كلماته بسرعة ولهفة، أبحث بعينيّ عن كلمة واحدة فقط… كلمة تُطمئنني، كأنّ كلّ ما في التقرير يُختصر فيها. كنت أتجاوز السطور، ألتقط العبارات على عجل، وكأنّي أخشى أن أضيع بين التفاصيل قبل أن أصل إلى ما أريده حقّاً.
تابعت القراءة بعجلة، حتى استقرّت عيناي على عبارة واحدة… عبارة جعلت الدموع تنهمر من عينيّ مرّة أخرى. كانت بسيطة في كلماتها، لكنها حملت كلّ شيء:
“لم تُسجَّل أيّ نبضات قلبية إضافية خلال أربع وعشرين ساعة من المراقبة.
تقرير تخطيط القلب على مدار 24 ساعة يُظهر انتظاماً طبيعياً لضربات القلب دون تسجيل أي أعراض أو اضطرابات قلبية.
في تلك اللحظة، لم يكن ما بين يديّ مجرّد تقرير طبّي، بل كان شهادة مكتوبة على أنّ شيئاً استثنائيّاً قد حدث بالفعل. الشيء الذي شعرت به في داخلي، وأبكاني أمام جهاز فحص القلب، صار الآن موثّقاً بلغة الطبّ نفسها.
وفي اليوم التالي، تلقيت اتصالاً من الطبيب الذي أجرى لي العمليّة غير الناجحة. كان صوته مطمئناً وهو يؤكّد أنّ القلب عاد إلى حالته الطبيعيّة، وأنّ جميع الضربات غير المنتظمة قد اختفت، ولا حاجة إلى إعادة إجراء العمليّة.
سألته:
هل تذكر أنّي سألتك، بعد العمليّة بيومين: هل يمكن أن تنتظم دقّات القلب وتعود طبيعيّة مع مرور الوقت؟
وقد أجبتني يومها: “لا، فأنت حُكماً بحاجة إلى عمليّة أخرى.”
“فلماذا اختفت كلّ الأعراض تماماً الآن؟ وكيف عاد القلب يعمل بشكل طبيعي؟”
تلكّأ الطبيب في الكلام.
توقّف قليلاً.
حاول أن يقول شيئاً، لكنّه لم يجد تفسيراً.
وفي العاشر من أيلول عام 2019، كان لديّ موعد آخر في المشفى لمتابعة وضع النزيف الذي حصل أثناء العمليّة، وللتأكّد من أداء القلب. وكانت النتيجة مطمئنة جدّاً: النزيف انخفض إلى أدنى مستوى، والقلب يعمل بصورة طبيعيّة تماماً.
ثمّ، في السابع عشر من تشرين الأوّل عام 2019، وأثناء زيارتي الدوريّة، أكّد لي الطبيب نفسه صحّة كلّ ما ورد في التقرير، وقال لي بصراحة لافتة:
” بعد أن اطّلعت على النتائج، أدهشتني كثيراً. لذلك شكّلت لجنة من ثلاثة أطبّاء للتشاور ودراسة ما حدث معك، لكننا، في الحقيقة، لم نصل إلى أيّ تفسير علمي أو طبّي حاسم لما حدث.”
عندها استأذنته أن أروي له ما جرى معي بالتفصيل، رغم أنّ الحديث قد يطول قليلاً، فوافق. وبعد أن انتهيت، قال لي:
“نحن في الطبّ لا نؤمن بمثل هذه الشهادات عن الشفاء أو بالمعجزات، لكن في الوقت نفسه لم نجد أيّ تفسير علمي أو طبّي لما حصل معك.”
وقبل أن أغادر، طلب منّي أن أكتب له اسم هذا القدّيس على ورقة، ففعلت، وقلت في نفسي: “لعلّ هذا الاسم يترك يوماً أثراً جميلاً في قلبه، كما ترك أثراً في حياتي.”
بالنسبة إليّ، لم تكن هذه تجربة شخصية تستحقّ أن تبقى حبيسة البيت. لذلك أرسلت قصّة شفائي، مع جميع التقارير الطبّية الصادرة عن مشفى كارولينسكا في ستوكهولم، إلى الأب لويس مطر، قيّم دير مار مارون في عنايا بلبنان. وبعد دراسة الملفّات والاستماع إلى شهادتي عبر الهاتف، سُجّلت نعمة الشفاء هذه رسمياً في دير مار مارون بتاريخ الثاني والعشرين من تشرين الأوّل عام 2019، وأُعلن عنها على الملأ.
ومنذ ذلك اليوم، وأنا أعود بذاكرتي إلى تلك العبارة التي صارت محفورة في قلبي:
هل نسيت شفاعتي؟ لا، لم أنسَ. ولن أنسى.
هذه ليست قصّتي وحدي
بنقطة زيت، وقليل من الإيمان، وشفاعة قدّيس كنت أتحفّظ عليه، خمد البركان الذي ظلّ يثور في صدري أكثر من سبعة عشر عاماً.
لم يكن ما حدث مجداً شخصياً أسعى إلى التباهي به، ولا إنجازاً أنسبه إلى نفسي، بل كان، في عمقه، تمجيداً لاسم الله، ولمحبّة المسيح، ولعمل الروح القدس، ولشفاعة أمّنا العذراء، والقدّيس الحبيب مار شربل، وجميع القدّيسين.
وأنا أكتب هذه الكلمات، لا أكتبها لأضيف قصّة جديدة، ولا لأروي حدثاً غريباً لمجرّد روايته، بل أكتبها لأنّ في داخلي رسالة لا أستطيع أن أتجاهلها.
أكتب لأقول لكلّ متألّم:
قد يطول الانتظار، نعم.
وقد تتعقّد الطرق، نعم.
وقد يصمت الطبّ، وتقف النفس عند حدود التعب.
لكن باب السماء لا يُغلق.
وأحياناً، في اللحظة التي يظنّ فيها الإنسان أنّ كلّ شيء قد تأخّر أو انتهى، تكون الرحمة قد بدأت تعمل في الخفاء.
وما اختبرته ليس حدثاً معزولاً، بل هو ما يتكرّر مع كثيرين بشفاعة هذا القدّيس وقدّيسين آخرين، تمجيداً لاسم الربّ.
هنا يبدأ الطريق…
من قلب شُفي،
إلى قدّيس عاش في الصمت،
لكنّ صمته صار عزاءً للعالم كلّه.
بيير جرجي
استوكهولم- السويد
22/10/2019
لقراءة الكتاب كاملاً مرفقاً بالتقارير الطبّية انقر هنا
القلب قبل وبعد نيل بركة الشفاء
الأب لويس مطر يعلن بركة الشفاء أمام العلن

