| الدولة | لبنان |
|---|---|
| المحافظة – المدينة | الشمال |
| الطائفة | موارنة |
| الموقع على الخريطة |
🏞️ حردين… لوحة من القداسة والتاريخ
حردين، صخرة الإيمان وبلدة القديسين، حصن روماني في أعاليها وآثار الإنسان الأول في مغـاورهــا، ذاع صيت أبنائها في جميع الأنحاء، فنُشِرَ عطر قدسَتِها في العالم. على تلالها اِخْتُيرَ الرومان لبناء معبدهم، وفي بلاطتها الشهيرة تَحَجَّرَت الأسماك والحيوانات البحرية. هي حردين البترون، بلدة الثلاثين كنيسة وديراً، وبلدة المقدم بنيامين الحرديني، وحاضنة الكهوف والتجويفات الصخرية والنواويس الفينيقية. هي اليوم مركز الحدث وبلدة القديس نعمة الله الحرديني الذي وصل بتقواه إلى حدود القداسة. حردين بلدة معروفة في التاريخ، وآثارها العديدة والمتنوعة تُدلّ على أقدميتها في جبل لبنان منذ الفينيقيين.
📍 الموقع الجغرافي
تقع حردين في قضاء البترون، وتبعد 80 كم عن العاصمة بيروت، وهي تتميز بعراقة تاريخها وأهمية معالمها الأثرية. يعود تاريخ البلدة إلى عصور ما قبل التاريخ، حيث اِسْتُوطنَ الإنسان القديم مغاورها وكهوفها الطبيعية، وخصوصًا تلك الواقعة في وادي كفرشير المطلّ على نهر وسهل الجوز فوق كفرحلدا وبيت شلالا.
كما ينتشر في البلدة عدد من المدافن التي تعود إلى الفترة الفينيقية، وأطلال المعابد القديمة خصوصًا في محلة “المحليصة والرام”. وعُثر في الوادي على ثلاثة تجويفات صخرية ضخمة، ومجموعة من الثقوب المربعة المحفورة في الصخر، وخزّان كبير للمياه، وقناة جر وأدراج ومقاعد حُفِرَت في الصخر بطريقة متقنة. ونظرًا لأهمية موقعها وتلالها المرتفعة المشرفة على المنطقة، اِخْتُيرَ أعلى تلالها لبناء أحد أضخم معابد الرومان.
⛪ حردين والمسيحية
تُعَدّ حردين أول قرية عرفت المسيحية في جبل لبنان، بشهادة المؤرخ الأب اليسوعي لويس شيخو. فشُيد فيها عدد كبير من الكنائس والأديرة التي يصل عددها إلى الثلاثين. وهي تُحْتَضَن أحد مراكز البطريركية المارونية، وقد عاش فيها أربعة بطاركة على مدى 140 سنة، واستقرت فيها أيضًا أول حبيسة في لبنان. وتشتهر حردين بكونها بلدة القديس نعمة الله الحرديني الذي وصل بتقواه إلى حدود القداسة.
“حردين” اسم مشتق من اللغة السريانية، وهو يعني “الناس خائفون”، في إشارة إلى الأشخاص الذين يحترمون ويخشون الله، ويعني الورعون والواجِلُون والخائفون على الإيمان، كما تعني النظر في الدين. ويفسّرها آخرون بأنها تعني حارة الدين أو حارّ في الدين. ويقول مؤرخون بأن اسمها ورد “حردونا” في لوحات الحثيين من القرن الثالث عشر قبل الميلاد، و”حردو” باللغة العربية على هامش أحد الكتب المقدسة في العام 1245 م. لذلك وُرِدَ ذكرها قولًا وكتابة: “حردين صخرة الإيمان والدين، بلدة القديسين والكنائس الثلاثين”.
تُعَدّ بلدة حردين من المناطق اللبنانية التي تحلو زيارتها لما تحتويه من معالم تاريخية وأثرية شاهدة على أهميتها التاريخية والدينية. كما أنها تتمتع بجمال طبيعي مميز، فتستقبل حردين محبي المشي في الطبيعة في ربوعها وغابتها الخضراء حيث أشجار السنديان والصنوبر تغطي المكان، وهي توفر بسبب موقعها مشاهد طبيعية وبانورامية مذهلة تسمح بتأمل جمال طبيعة لبنان بجبالها ووديانها وبحرها الأزرق.
🏔️ المحابس الصخرية وحفر الأب صالح
في حردين حُفِرَت المحابس الصخرية القديمة التي تعود إلى بدايات عهد التنسّك، وذاع صيتها في نخاريب جبل حردين ومغاوره القائمة في الأطراف الشرقية الجنوبية المطلة من علو شاهق على قرى وبلدات جبة بشري وجرود بلاد البترون. شرحها الدكتور رفيق باسيل فقال: إنه يصحّ إطلاق تسمية جبل المحابس أو قرية المحابس على تلك الناحية، مشيرًا إلى أنّ الفضل في تأسيسها يعود إلى أحد الكهنة الحرادنة، الأب يوسف صالح، الذي يقوم بتأهيل المحابس بمعاونة بعض العمال والشبان المتطوعين من أبناء حردين وقرى الكورة والبترون وبشري ودير الأحمر والمتن وجبيل.
هذا الكاهن الشاب يوسف لا ينفك مواظبًا من دون كلل أو ملل على السهر والاختلاء في تلك المحابس المعلقة بين الأرض والسماء. وتحدث “الكاهن القديس” (الأب يوسف صالح) عن حلمه الكبير ببناء “قرية المحابس” من خلال بناء محابس جديدة والتفتيش عن مغاور وكهوف نافرة أو مختبئة تحت الصخر، مشيرًا إلى أن المحابس التي شُيِدَت على اسم سيدة الشير وجميع القديسين، ومار مارون ومار فرنسيس الأسيزي ومار ضوميط والعنصرة أو الروح القدس.
✝️ الحبيسات التاريخية
تجدر الإشارة إلى أن محبسة مار سركيس القرن القائمة بأرض حردين لجهة الشمال الشرقي في أحد التجويفات المطلة على بلدة قنات، قد عُرِفَت أولى الحبيسات اللبنانيات، وهي سارة الحردينية التي ذُكِرَت بخط البطريرك ارميا العمشيتي على هامش الإنجيل الثاني في المكتبة الميديشية بأنها تُوُفِّيت برائحة القداسة في العاشر من شهر آب 1199م.
أما أول حبيس لبناني ذُكِر لدى البطريرك اسطفان الدويهي فكان يوحنا من بلدة “قنات”، جارة حردين سنة 1228م. والملاحظ أنّ عشرات المحابس المنتشرة بأرض حردين ما زال معظمها صامدًا في تجويفات الجبل وأوديته، ومنها محبسة مار سركيس القرن التي يمكن الدخول إليها إما بواسطة الحبال أو عبر مسلك خطير، وتتكون من كنيسة صغيرة ذات شرقية نصف دائرية متقنة البناء.
أما أقدم تلك المحابس فهي على اسم سيدة القلعة القائمة في نفس شير الجبل إلى الشمال من قرية المحابس، تقع في وسط شير معبد حردين، وتتضمن مزارًا على اسم سيدة البزيزات. وحولها تدور أسطورة اهتداء سكان المنطقة على يد ابنة ملك حردين الوثني صاحب القصر.
🏞️ محابس أخرى في حردين
من المحابس المعروفة هناك أيضًا: محبسة دير مار فوقا الأثري، ومحابس التجويفات الكبرى في وادي كفرشيرا إلى الجنوب الغربي من مرج الرام، وهي على اسم مار يوسف ومار يعقوب أخو الرب ومار أفرام السرياني والقديسة حنة وسيدة الفخار. وكانت الأخيرة مخصصة لسكن الراهبات المحصنات في القرون الوسطى الميلادية.
وفوق هذه المحابس في الشير نفسه ما زالت محبسة دير مار اسطفان الأثري شاهدة على تجذر الإيمان من علو شاهق فوق سهل كفرحلدا ونهر الجوز. ولا تزال محبسة مار تقلا المسماة مغارة الحرديني قائمة في الشير المنتصب بين كنيسة مار تقلا في حارة بيت كساب، ودير مار يوحنا الشقف الأثري، والآثار الباقية عند هذه المحبسة تُدلّ على عبادة الإله «إيل» الفينيقي، عدا المحابس المحيطة بأرض حردين مثل: محبسة مار أنطونيوس في الشير القائم على مجرى نبع مار شليطا قنات فوق مزرعتي بني صعب وعساف، ومحبسة مار يعقوب، ومحبسة مار شليطا قنات الشهيرة بنبعها الغزير الذي يغذي نهر العصفور، ومحبسة مار جرجس في شير جبل حردين بأرض كفور العربي.
ويُذكَر أيضًا من المحابس التي يؤمها المؤمنون بكثرة: محبسة الوردية، عمود مار سمعان، محبسة القديسة ريتا، محبسة الحبل بلا دنس (الشير)، ومحبسة جميع القديسين التي تقع إلى جانب كابيلا قلب يسوع الأقدس والتي تحوي تمثال قلب يسوع الشهير.
🌳 حردين… قرية الحكايات
تكاد تكون حردين في أعالي جرود البترون قرية الحكايات، فيها أكثر من ثلاثين هيكلاً ضخماً ومغارة وكهفًا وديرًا وكنيسة. قيل عنها إنها أول قرية عرفت المسيحية في جبل لبنان.
في ظل سنديانة دير مار فوقا أقدم أثر مسيحي في جبل حردين، وعلى مقربة منه بُنِيَ الأب «يوسف صالح» صومعة تعتمد في هندستها الطراز اللبناني القديم، يعيش فيها الحياة على طبيعتها بعيدًا عن المدنية.
وعلى بعد كيلومتر واحد صعودًا، وعلى طريق متعرج ضيق، بُنِيَ الأب صالح في أعلى جبال حردين وحُفِرَ بين صخورها المعمّرة الشاهقة أكثر من ثمانية محابس حملت أسماء قديسين.
🛠️ جهود الأب يوسف صالح
عمل الأب صالح في تلك الأرض لأكثر من 15 سنة في ظروف صعبة وخطرة، ويقول: «منذ صغري وأنا هنا في هذه الأرض المقدسة ونَمَت معي محبة الطبيعة، وشعرت بدعوة للتكرس لله، وقد سعيت إلى أن أكون راهبًا عدة مرات، لكن الظروف العائلية حالت دون ذلك إلى أن تعرّفت بالإخوة في دير الأحمر، ثم تسنّى لي أن أرتسِم كاهنًا على يد المطران جبرايل طبيا، وبقيت ثلاث سنوات في طرابلس إلى أن نُقِلْتُ إلى أبرشية البترون المارونية، وسمح لي راعي الأبرشية المطران بولس إميل سعادة أن أبقى في دير مار فوقا الأثري لأعيد ترميمه وأعمل على بناء المنزل المهدم والمحابس».
ويُلْفِت الأب صالح إلى أنّه «من الصعب جدًا بناء المحابس، كانت هناك أيدٍ خفية تساعدني باستمرار، وسأتابع عملي في بناء المحابس». ويتابع الأب يوسف اهتمامه وشغفه في بناء دير الثالوث الأقدس الخاص بالحياة الرهبانية والخدمة الاجتماعية.
🙏 الأحداث الروحية والشفاعات
«أحداث روحية» عديدة يُشْهَد لها في هذا المكان المقدس، ويتوافد إليه الزوار بالمئات من كل المناطق اللبنانية والطوائف للصلاة والنذورات، وسط أجواء من الخشوع والإيمان والفرح التي ترافق حدوث «الاعاجيب والشفاعات». ويبحث الزوار دائمًا عن إجابة للسؤال: كيف «تمكّن هذا الرجل من حفر ونحت وزخرفة هذه المحابس»؟
في المحابس المدهشة التي حُفِرَت بيده، يحلو للأب صالح الحديث عن خياراته في الحياة، فيقول إنه اختار التنسّك لأنه «في الأساس طريق للاختلاء بخالقي، والناسك هو رسول بحد ذاته ويستقبل الزوار لأن القداسة «مغناطيس» يجذب النفوس إلى الله»، ويضيف: «للعيش بسلام علينا العودة إلى ما كان عليه آباؤنا وأجدادنا من البساطة في الحياة، والحفاظ على التراث والعودة إلى الجذور الأساسية، أياً كان ديننا أو طائفتنا أو مذهبنا».
وحول كيفية تمويل نشاطاته، يقول: «أتّكل على العناية الإلهية ومساعدات الخيّرين والزوار الذين يدعمونني ماديًا لأستطيع متابعة مسيرتي، وقد رأيت أحلامًا عند بدء دعوتي، فعلمت أنّها علامات من الله لم أستطع تحديدها وقتها، إلى أن بدأت بمشروع بناء المحابس».
في حردين، حُفِرَت المحابس ليختلي الأب صالح فيها أحيانًا أو يستقبل الزوار أحيانًا أخرى، لكنه أرادها مكانًا يعيش فيه ناسكًا، وفي الوقت نفسه ينشئ بصبر وتفانٍ مقصداً للسياح وعشاق الفن والتراث، فمحابسه هي أيضًا تحف هندسية ستُحْفَظ في ذاكرة لبنان.