| الدولة | لبنان |
|---|---|
| المحافظة – المدينة | الشمال |
| الطائفة | موارنة |
| الموقع على الخريطة |
🏛️ نشأة الكنيسة وتأسيسها
قامت كنيسة القدّيس يوحنا مرقس على أنقاض أحد الهياكل الوثنية، فجمعت حولها إحدى أولى الجماعات المسيحية، ولكنها تهدّمت كليًا إثر زلزالٍ دمّر المدينة سنة 555. عندما وصل الصليبيون إلى الساحل اللبناني، وعندما دخلوا مدينة جبيل، باشروا بإقامة الأبنية من قلاعٍ وحصونٍ وأسوارٍ وكنائس، من بينها كاتدرائيّة مار يوحنّا مرقس التي تعتمد أغلبيّة المراجع سنة 1115 كتاريخٍ لبدء تشييدها. ولكن سرعان ما تعرّضت لزلزالٍ آخر دُمِّرَت جزئيًا عام 1170، ودُمِّرَ بشكلٍ خاصّ الجزء الجنوبي منها، فأُعيد ترميمها من قبل الصليبيين والأيوبيين خلال القرنين الثاني عشر والثالث عشر. سنة 1302، سقطت مدينة جبيل تحت سيطرة المماليك بقيادة السلطان الأشرف صلاح الدين خليل بن قلاوون. وذلك بعد احتلالها من قبل صلاح الدين الأيوبي عام 1188، ومن ثم المماليك البحريون عام 1266، لكن الصليبيين استرجعوها. إلا أن مرحلة حكم المماليك التي تلت اندثار الصليبيين بقيت غامضة بالنسبة للكنيسة، وتلاها الحكم العثماني. وأُشير في هذا الإطار أحد الرحالة خلال القرن السابع عشر أن الكنيسة قد حُوِّلَت إلى اسطبل أيام العثمانيين ومطبخٍ للعامة ومن المرجّح أن تكون قد حُوِّلَت لمدةٍ معيّنة إلى مقرٍّ للعسكر.
⛪ الدير في يد الموارنة
استمرت جبيل ترزح تحت الخراب إلى أن حضر إليها الأمير يوسف الشهابي سنة 1763. وفي عهده، تسلّمت الرهبانية اللبنانية المارونية سنة 1766، وقفيّة خرائب كنائس مدينة جبيل, (مار يوحنّا مرقس، سيّدة ماريتيم، سيدة البوابة… )، والتي كان أكثرها متهدّمًا أو متداعيًا، وبرضى المطران أنطوان محاسب، مطران جبيل، على أن تقوم الرهبانيّة بتجديد بنائها وترميمها. وعلى الأثر، باشرت الرهبانيّة أعمال الترميم وشراء الممتلكات بوكالة الأب مبارك إدّه وكانت كنيسة مار يوحنا مرقس من جملة هذه الكنائس.
دامت عمليّة الترميم والإعمار في هذه الكنيسة مدّة عشر سنوات، تسلّم على أثرها الرهبان غرفتين شرقي الكنيسة للسكن وللخدمة الرعويّة… فتأسس الأنطش (منزل الراهب خارج ديره). ووفق ما أكد البطريرك مخايل فاضل، فإن الرهبنة “ظلت مثابرة على العمل حتى خُلِقَت الكنيسة من العدم، واشْتُرِيَت عقارات كثيرة من مالها الخاص بوكالة الأب مبارك اده على الأنطش كأملاك سيدة ماريتيم (البحار) والأملاك المجاورة للأنطش، وحارة سيدة البوابة والحديقة التابعة لها التي كانت لدير معاد واشتراها له الأب العام مرقس كفاعي من حنا الدحداح سنة 1785 ثم فصلت عنه والحقت بالأنطش سنة 1805”.ولكن، رغم ذلك، واجهت الرهبانية اللبنانية المارونية مشاكل عدة لإثبات ملكيتها لهذه العقارات رغم قيامها بكل اعمال البناء والترميم، ولكنها تمكنت من تحقيق ذلك في نهاية المطاف. وبرزت هذه الكنيسة على الصعيد الديني، إذ كان أهل جبيل خصوصاً واللبنانيين عموماً يترددون إليها في شتى المناسبات للصلاة والمشاركة بالقدّاس، وبناء عليه وبعد طلب من سعد الخوري، أحد رجالات المدينة آنذاك، مُنِح المجمع المقدس في عهد البابا بيوس السادس عام 1775 “للمسيحيين التائبين المعترفين المتناولين القربان المقدس الزائرين كنيسة القديس يوحنا مرقس في عيد القديسين بطرس وبولس غفرانًا كاملاً ثابتًا فاعلاً في كل الأزمنة مفيدًا موفيًا عن الأنفس في العذابات المطهرية بحيث أن المسيحيين المذكورين يقدمون ابتهالًا في مدة لأجل استئصال الهرطقات وانتشار الإيمان المقدس”.
وقد يظن البعض أن مرحلة ما بعد استلام الرهبنة هذا المكان قد خلت من المشاكل باستثناء بعض المشاكل المادية واللوجستية أو المضايقات العادية ابان أي احتلال، إلا أن قدر هذه الكنيسة أن تنهض وتبدأ من جديد بعد كل اعتداء، وقد نالت في أحداث الـ1840 نعمة صليب جديد، إذ قامت البحرية الإنكليزية، خلال الحرب ضد ابراهيم باشا في نهاية حكم الأمير بشير الثاني بتهديم جزء من واجهتها الغربية.
🛠️ الترميمات الحديثة
ولم تنته أعمال الترميم هنا، إذ أصبح بناء الأنطش عام 1961 متداعيًا بمعظمه وغير صالح للسكن مما دفع وكيله آنذاك الأب موسى شلهوب إلى عقد مجمع ديري وطلب الإذن بإقامة مبنىً آخر ضمن مشروعٍ متكامل درس فيه ترميمه وتجديده بحسب الحاجة ومقتضيات العصر والمحيط. وفي عام 1974، بنى الأب لويس خليفه، رئيس الأنطش، ورمّم وأكمل مبنى المركز الثقافيّ ليكون معهدًا للّغات وللنشاطات الثقافيّة. ثمّ اهتمّ الأب يوحنّا وهبه سنة 1982 بإنجازه. وفي سنة 1987 تمّ توقيع اتفاقيّة بين إدارة الأنطش وإدارة جامعة الروح القدس-الكسليك، لتُطلِق بموجبها كليّةَ الحقوق في جامعة الروح القدس، ومدرسة الحقوق لبلدان البحر المتوسط. واستقطبت هذه الكليّة طوال وجودها في هذا المركز، حتى سنة 2000 تاريخ انتقالها الى حرم الجامعة في الكسليك، العديد من الشخصيات الحقوقيّة من العالم، ونظّمت مؤتمراتٍ وحلقاتِ أبحاث دولية، ودوراتٍ تعليمية في حقول القانون وحقوق الإنسان والشعوب. وفي سنة 2004، خصص هذا البناء لمختلف أنواع النشاطات وسمّي “مركز الأب لويس خليفة للنشاطات الرعوية والثقافية”، وذلك وفقاً لقرار اتّخذه المجمع الديريّ في انطش مار يوحنّا مرقس-جبيل، برئاسة الأب انطوان خليفه. تجدر الإشارة إلى أنه، ومع بدء الحرب اللبنانيّة عام 1975، شهد الأنطش توافد المهجّرين وعلى دفعات (1975-1980)؛ وقد فاق عددهم 600 عائلة، كانت الحرب قد دمّرت منازلهم وقُراهم، فكان خير ملجأ وسند. ولا زال اليوم ملجأً وحضنًا لعدد كبير من نشاطات أهل الرعية: كالفرق الكشفية والمعهد الإعدادي للزواج ذات المهمة المزدوجة كمركز للأبحاث الاجتماعية عن الزواج ومركز لتوجيه علمي رصين للمقدمين عليه، وبالإضافة إلى ذلك، فقد تم تدشين قاعة الأباتي عمانوئيل الخوري في الطابق السفلي من بناء الأنطش لكي تكون ملتقى لأبناء الرعيّة في أفراحهم وأتراحهم ومركزًا لأهل الثقافة والفكر. وقد جُهِّزَت بكراسي خاصة بالمسارح، وبإنارة، ومكيّفات، وهندسة صوت.
🏗️ الهندسة والبناء
الصليبيون كانوا أول من بنى هذه الكنيسة بعد زلزال عام 555 كما أسلفنا بالذكر، وكان فن بناء الكنائس قد ازدهر كثيراً في القرون الوسطى بحيث كانوا يعتمدون خصوصاً على فن العمارة الرومنسكي الذي يتميز بالبساطة وتناسق المقاييس واستعمال العقود السريرية أو الأسطوانية المرتفعة والعقود المصالبة، والأعمدة اللاصقة أو الناقصة التي تحمل تيجانا مزخرفة. هندسياً، كنيسة مار يوحنا مرقس في جبيل مماثلة في كثير من النواحي لكنائس صليبية عدة، وعلى سبيل المثال كنيسة مار يوحنا في بيروت (الجامع العمري حالياً)، وكاتدرائية الرملة في القدس وكاتدرائية السيدة العذراء في طرطوس وهي اليوم متحف طرطوس. الجهة الشرقية للكنيسة تضم ثلاث حنايا مرتبطة ببعضها بواسطة قناطر على مستوى الخورس. للحنية الوسطى 3 نوافذ ولكل من الحنايا الجانبية نافذة واحدة. وتتخذ النوافذ شكل قوس نصف دائري مبنية من حجارة كبيرة ولها إطاران، الإطار الأكبر مزدان من الداخل والخارج بأعمدة صغيرة مضافة بمعظمها إثر الترميم. أما أقدمها فهي أعمدة نافذة الحنية الجنوبية من الداخل والخارج والتي تحمل تيجانا عربية الطراز، يقارنها كاميل أنلار بتيجان أعمدة في أحد مساجد دمشق تعود للقرن الثالث عشر.
وللكنيسة ثلاث أسواق: سوق رئيسية واثنتين جانبيتين، وتتضمّن هذه الأسواق ثلاث مسافات تفصل بينها أعمدة وركائز. أُعيد بناء جهتها الجنوبية بين سنتي 1170 و1190، وقد بُنيت بشكل أكثر بساطة من سائر أجزاء الكنيسة. يُلاحظ في هذا الجزء الجنوبيّ، وجود قطع أعمدة أُخِذَت من أبنية قديمة وأُدخلت بين المداميك بشكل أفقي، وهذه ميزة من ابتكار الموارنة وقد استعملوها في كنائسهم شمال سوريا منذ القرن الخامس لاسيّما في كنيستي براد وكفرنابو. وفي هذا الجزء الجنوبي الشرقي للكنيسة جدار أكثر سماكة يحتضن سلّمًا يؤدّي إلى سطح الكنيسة.
ومن الجهة الشمالية، تتميّز الواجهة بنافذتين لحنايا الكنيسة تعود لبداية القرن الثاني عشر، وللنافذتين أعمدة ذات طراز استُعمِل في فرنسا حوالي العام 1100، أما مدخل الكنيسة الشمالي فقد اختلفت الدراسات حول تاريخه، إذ يُعيده البعض للقرن الثاني عشر أما البعض الآخر فيُعيده لجملة الترميمات التي جرت في القرن الثامن عشر. ويعلو المدخل الشمالي لوحة رخامية تشير بالنص الكرشوني إلى تاريخ انتهاء ترميم الكنيسة سنة 1776.
أما الواجهة الغربية، فتاريخ بنائها يعود إلى فترة ترميم الكنيسة بنهاية القرن الثامن عشر، إلا أن عددًا من الدراسات يُرجِّح بناؤها في النصف الثاني للقرن التاسع عشر على أثر تهدّمها من جرّاء القصف الإنكليزي. ويعود تاريخ قبّة الجرس الحالية إلى عامي 1904 و1910، وقد احتفل هذا العام (2010) بيوبيلها المئوي. وهي لا تتميّز بطابع هندسي خاص، وقد بُنيت مكان قبّة سابقة تعود لعام 1857. وبالنسبة للـ”سكرستيا” (المكان الذي يتحضّر فيه الكاهن ويلبس اللباس الليتورجي للقدّاس)، فإن الدراسات لم تشر إليها، إلا أنه من المقدّر أن بناءها يعود للقرن التاسع عشر وقد يكون قد استُعمِل سابقًا كمعبد صغير بدليل وجود الحنية للجهة الشرقية. وقبّة المعمودية هي عبارة عن بناء صغير مربع الشكل تعلوه قبة على ثلاثة أقواس منكسرة واسعة وتستند إلى ركيزتين قصيرتين. تجدر الإشارة إلى أنه “يظهر حول الكنيسة أثر بئر لجمع المياه كانت تمتد إلى ما تحت قبة بيت العماد حيث تظهر قوس في وسط الحائط تحت القبة”.
أما التعديلات الحديثة، فهي بحسب ما هو مخطوط في روزنامة أنطوش جبيل، جرت على الشكل كالتالي: مذابح الكنيسة المدرجة الرخامية والبلاط والدرابزون الفاصل بين الخورس والصحن (وقد أزيلت واستبدلت فيما بعد) مؤرخة في نيسان 1910، أما أعمال تدعيم السقف وصبّه بالإسمنت بعد إزالة السقف الترابي فتعود لسنة 1938. وفي ما يتعلق بالرسوم الجدارية، فقد أُزيلت سنة 1945. وبين عامي 1970 و1975، وضمن نطاق أعمال الترميم، أجرت المديرية العامة للآثار حفريات حول الكنيسة أظهرت فسيفساء بيزنطية مثبتة حالياً شرقي الكنيسة قرب الأنطش، كما اهتمت بتأهيل الكنيسة ومحيطها فأعادت تبليطها بالحجر الصخري، ورصفت بالحصى أرض الساحات الخارجية، وأبدلت الأبواب الخشبية والنوافذ والزجاجيات. أما السياج المحيط بالكنيسة فيعود لسنة 1989 وبيت القربان لسنة 1990، وأعمال منع تسرب المياه من السطح لعام 1993. وفي الكنيسة أربع لوحات زيتية: واحدة تمثّل عماد السيد المسيح في نهر الأردن تعود لسنة 1909، والثانية تمثّل يوحنا مرقس أسقف جبيل في فينيقيا وتعود لسنة 1937، والثالثة تمثل يوحنا مارون أول بطريرك على الكنيسة المارونية مجهولة التاريخ. وتعلو كل من اللوحة الثانية والثالثة السيدة العذراء حاملة الطفل يسوع الأولى. أما اللوحة الرابعة فهي للسيدة العذراء، لا يمكن تحديد تاريخها، رغم أن بعض المؤرخين أشاروا إلى أنها تعود للقرن التاسع عشر. ومن الروايات أن الإنكليز قدّموا هذه اللوحة تعبيرًا عن اعتذارهم لقصف الكنيسة.