الولادة: 330
الوفاة: 379
✝️ الآباء الكبادوكيون
هو أحد الآباء الكبادوكيين، يعني ذلك الآباء الذين تولّوا رعاية منطقة قيصرية كبادوكية، ونقصد بهؤلاء الآباء ثلاثة مشهورين جدًا كان لهم أثرهم في التاريخ في حياة القداسة والخدمة: أولهم القديس باسيليوس الكبير رئيس أساقفة قيصرية كبادوكية، والثاني صديقه القديس إغريغوريوس النيازينزي (أو أغريغوريوس الثيئولوغوس أو أغريغوريوس الناطق بالإلهيات، كلها ألقاب لشخص واحد)، والثالث القديس إغريغوريوس أسقف نيصص وهو أخو القديس باسيليوس الكبير.
تدعوها الكتب الليتورجية البيزنطية: “نور التقوى” و”منارة الكنيسة”.
🏛️ ولادة ونشأة القديس باسيليوس الكبير
ولد القديس باسيليوس الكبير في قيصرية الكبادوك حوالي سنة 330م، في قيصرية بالقسطنطينية في أثينا، بعد انعقاد مجمع نيقية بخمس سنوات حين كانت المشكلة الأريوسية في عمقها وعنفها، ولد بعد تولي القديس أثناسيوس الرسول رئاسة كنيسة الإسكندرية بعامين.
هو واحد من أشهر أعلام الكنيسة الجامعة، ومنظم الحياة الرهبانية الكبير. لقب بالكبير لأنه كان كبيرًا في إيمانه وأعماله، وفي تواضعه وأخلاقه. عمل فأتقِنَ، وفكّر فأبدع، وآمن فصار قديسًا. أصبح كبيرًا في عصره، وبقي كبيرًا على مدى العصور المتتالية.
👤 وصف القديس باسيليوس من صديقه
يصفه صديقه المقرب القديس غريغوريوس النزينزي فيقول:
“كان رجلاً طويل القامة، نحيل الجسم، ناشف القسمات، أصفر اللون، عنده نظرات تأمل وتفكير، أصلع الرأس تقريبًا، ذا لحية طويلة، خجولًا يتحاشى الجدال العلني، بطيئًا في الكلام، جريئًا وشجاعًا، محبًا للعزلة والصمت. إنما الصفة الأساسية عنده هي القدرة على السيطرة على النفس وتحكيم العقل قبل القلب”.
🏞️ الحياة الرهبانية والتنشئة العلمية
لعل أهم ما قام به القديس باسيليوس أنه استطاع صياغة نمطٍ جديدٍ للحياة الرهبانية، آلف فيه بين الطبيعة البشرية للإنسان وبين النعمة الإلهية، بين قوى الإنسان الجسدية وقواه الروحية. في هذا التجديد طبق القديس الأفكار الفلسفية اليونانية.
ولد في عائلة تقية ورعة، من أب كان خطيبًا ساحرًا وعالمًا بارعًا، محبًّا للآداب والعلوم، ومن أم تدعى أميليا، ابنة أحد الشهداء الذين قدموا حياتهم شهادة لإيمانهم. رزق الله هذه العائلة عشرة أولاد: خمسة صبيان، من بينهم القديس غريغوريوس أسقف نيصص، وخمسة بنات، من بينهم القديسة ماكرينا راهبة ومرشدة روحية لأخوتها الصغار.
ورث القديس باسيليوس حب العلم عن أبيه، وبدأ بزياراته للمدارس المحلية، ثم التحق بمدرسة في القسطنطينية حيث تعمق في الفلسفة والتاريخ واللغة اليونانية وآدابها.
🤝 الصداقة مع القديس غريغوريوس النزينزي
استطاع بناء صداقات عديدة، لكن صداقته للاهوتي الكبير القديس غريغوريوس النزينزي كانت أعمقها وأصفاها. قال القديس غريغوريوس عن هذه الصداقة:
“لمّا حصل التعارف بيننا، أصبح كل واحد منا للآخر كل شيء. كان لنا سقف بيت واحد ومائدة طعام واحدة ندرس عليها، أعيننا تحلّق نحو هدف واحد، وعاطفتنا لم تكن إلا لتزيد وتترسخ يومًا بعد يوم”.
بعد انتهاء الدراسة في القسطنطينية، افترق الصديقان، وبقي الاتصال قائمًا بالمناسبات، ولم ينسَ أحدهما الآخر. أكمل باسيليوس دراسته في أثينا، حيث درس الفلسفة والفصاحة والفلك والعلوم الطبيعية والطب، واشتهر بعيدًا عن بلده.
🌟 الارتداد إلى الله والحياة النسكية
بعد عودة باسيليوس إلى منزله، واجه فقدان والده وجدته، فتكفل بشؤون الأسرة بمساعدة أخته ماكرينا، وأشرف على إخوتِه الصغار.
ثم ارتدّ إلى الله وارتقى في التقوى، فاقتبل سرّ المعمودية المقدس، وبدأ حياة النسك بين سنتي 357 و358، فذهب إلى براري مصر وصحرائها، وزار الأراضي المقدسة وسوريا والعراق، وعكف على الإماتة والزهد.
اختار مكانًا قريبًا من مدينته، وعزله عن بقية العالم، في منطقة جبلية مشجرة، وقال:
“أرشدني الله إلى مكان يتوافق تمامًا مع رغبتي الشديدة في النسك والعزلة. كانت هناك جبال عالية تكسوها الأشجار، وديان متعرجة، سهول خصبة، أنهار وجداول. وعلى مرتفع وسط هذه البقعة تقوم صومعتي التي تشرف على كل تلك الأرجاء”.
🏛️ تأسيس الرهبنة والأديرة
لم يصر راهبًا فقط، بل أسّس رهبنة وأديرة ووضع قوانين للرهبنة، عاش حياة النسك والوحدة، وأحبها. رأى أن إماتة الجسد وقمع النفس ضرورة لتنمية الروح، وأكد قول المسيح:
“إن العامل يستحق أجره”
طور الحياة النسكية المتوحدة مع الحياة الرهبانية الرسولية، مدمجًا بين مزايا كل منهما، بهدف خلاص النفوس وتمجيد الله.
كتب قوانين رهبانية شاملة ومختصرة، تضمنت التزامات الرهبان بالعمل بأنفسهم، وزراعة الأرض، وبناء الصوامع، وامتلاك ثوب واحد وعباءة واحدة، والنوم على الأرض. تبع النظام آلاف الرهبان، واستوحى منه القديس بنديكتوس مؤسس الحياة الرهبانية في الغرب.
⛪ خدمة الأسقفية والناس
صار قارئًا سنة 359م، وشمّاسًا سنة 360م، وسيّم كاهنًا سنة 362م، وكرّس نفسه لخدمة النفوس، وصارع الأريوسية، ونظّم العبادة والتعليم الديني، وأسّس مؤسسة للعمل الاجتماعي.
أطلق مشروع المدينة الباسيليّة عند مدخل قيصرية، ضم مستشفى ومدارس مهنية ودور الأيتام وملاجئ للبرص وفنادق وكنائس وبيوت للأطباء والعاملين، وكانت مخصصة للفقراء والمحتاجين.
نال الأسقفية سنة 370م بعد موت الأسقف أوسابيوس، وتم انتخابه رئيسًا لأساقفة قيصرية، وتميز بالشجاعة والحكمة والعدالة.
✝️ مواجهة البدع وحفظ العقيدة
قاوم الهرطقات والبدع، خاصة الأريوسية، وقال:
“هو يشهر السلاح على الكنيسة، هو يحارب الترتيب الذي وضعه الله…”
سعى لتوضيح العقيدة المسيحية، والحفاظ على نقاء مجمع نيقية الإيمانية، مؤكّدًا أن:
“المسيح واحد في الجوهر مع الله الأب، والروح القدس أحد الثالوث الأقدس”
🕊️ نهاية القديس باسيليوس الكبير
تأثر القديس بمرض الكبد سنة 373م، وعانى في سنواته الأخيرة. عاش حياة نسكية صارمة، مساعدًا الفقراء والمحتاجين، ومتفرغًا للكنيسة والشعب.
توفي في 1 يناير 379م عن عمر يناهز التاسعة والأربعين، وامتلأت الشوارع لوداعه، واشترك اليهود والوثنيون والشعب كله، وترأس صلاة التأبين شقيقه غريغوريوس أسقف نيصص.
أُعلن معلّمًا وأبًا للكنيسة الجامعة في مجمع خلقدونية سنة 451، واعتُبر:
“النموذج الأول للأسقف القدّيس في كنيسة المسيح، معلّمًا للمسكونة، قمراً للإيمان، أبًا للرهبان، معيلًا للفقراء، معزيًا للحزانى وسندًا للضعفاء، ومؤدّبًا للملوك”.
🌟 اعماله وفكره
يمكن تلخيص أعماله فيما يلي:
- كتابات عقائدية. وكتب عن المساواة بين الأقانيم الثلاثة.
- ثلاث كتب ضد الأريوسية.
- كتابات نسكية، القوانين الطويلة، القوانين المختصرة، عن المعمودية.
- كتابات تعليمية.
- عظات.
- الرسائل، وعددها 365 رسالة كتبها بين عامي 357 و 379 سنة وفاته، وهي توضح صوراً كثيرة وتحتوي على مواضيع عديدة مختلفة حول الحياة النسكية و الرهبانية و الصداقة والمحبة،
- وقد ترك لنا أيضا كتب طقسية عن القداس اليومى، القداس المشهور”بالقداس الباسيلى” الذي نستعمله في الكنيسة القبطية (الكاثوليكية والارثوذكسية).
✨ بعض تعاليمه
يقول في رسالته إلى نكتاريوس الذي فقد ولده: “إن حزن العالم كله، لا يقدر أن يعبر عن عميق مشاعر المؤاساة التي نحس بها. لا، وحتى مياه الأنهار، لو صارت دموعاً لا تكفي للتعبير عن الحزن العميق الذي سببه هذا الحادث المفجع. إننا لم نحرم من ولد، بل أرجعناه إلى الذي وهبنا إياه، إن حياة الفقيد لم تتوقف، بل تغيّرت وتحوّلت إلى الأحسن، إن الأرض لا تخفي الشخص الذي نحب، بل السماء تستقبله. إن وقت الإنفصال لن يطول. فما دمنا في هذه الحياة، فنحن مسافرون على الطريق، إلى مكان الراحة نفسه، فالبعض لا يزال يسير، والبعض الآخر قد وصل، وآخرون لا يزالون يسرعون. لكن مكان الاستقبال هو واحد.
ويقول في رسالة كتبها إلى النبيلة سيزاريا سنة 372 عن سر القربان المقدس:” إنه لجميل ومفيد لنا تناول القربان المقدس كل يوم”، فقد قال يسوع في الإنجيل: من يأكل جسدي ويشرب دمي فله الحياة الأبدية. إننا نحن في كنيسة قيصرية نتناول أربع مرات في الأسبوع، في يوم الرب -الأحد- وفي أيام الأربعاء والجمعة والسبت، وفي كل يوم يكون فيه ذكر لقديس. ولا ضرورة لأن أشرح بأن المسيحي، في وقت الإضطهاد يمكنه أن يأخذ المناولة بنفسه، من دون حضور كاهن. فهذا ليس إهانة للقربان المقدس، ولا مخالفة لأوامر الكنيسة، فقد أقرّ التقليد العام هذه الممارسة. فنرى أن المتوحدين، الذين يعيشون في البراري يتناولون القربان المقدس بأيديهم، ويحتفظون بالقربان المقدس في صوامعهم ومناسكهم، وفي الإسكندرية، وفي مصر أيضاً كان بعض الأتقياء يحفظون القربان المقدس في بيوتهم ثم يتناولونه عند الحاجة، أو يوزعونه على من يطلبه لسبب شرعي. ولا عبرة لقول البعض أن الموزع يختلف عن مُقدّم الذبيحة، فهذا ليس بأمر مهم، لأن القربانة تحتفظ بقوتها الروحية، وبنعمها الكثيرة حتى حين لا يوزعها الكاهن نفسه الذي قدّم الذبيحة)….
كما جاء في عظة له عن الصوم ما يلي: بدأ الصوم في الفردوس عندما قال الرب لآدم: ” لا تأكل من شجرة الخير والشر “. وقد طُرد أبوانا الأولان من الفردوس بسبب عدم الصوم. فالصوم إذاً هو الذي به ندخل إلى الملكوت.
تعترض على الصوم فتقول: إن صحتي لا تقوى على القيام به، وأنا لا أستطيع الانقطاع تماماً عن الأكل والشرب، لكن أسألك، قل لي بحقك، ما هو الدواء الذي يصفه بعض الأطباء للمرضى؟ أليس الانقطاع عن الأكل والشرب أو تناول الطعام الخفيف البسيط؟ إحذر أن تصوم فقط عن اللحم وتظن أن هذا ما يُطلب منك، إن الصوم الحقيقي هو الامتناع عن كل رذيلة… إنك ربما لا تأكل لحماً لكنك تنهش لحم أخيك، إنك تمتنع عن شرب الخمر ولكنك لا تلجم الشهوات الحمراء التي تلتهب في نفسك… ولست أعني بالصوم ترك المأكل الضروري لأن هذا يؤدي إلى الموت، ولكني أعني ترك المأكل الذي يجلب لنا اللذة ويسبب تمرد الجسد).
كتب عن الصلاة: للصلاة شروط حتى تستجاب، منها أن يكون طلبنا موافقاً لإرادة الله. يقول يسوع ” إن أمكن يا أبي، أبعد عني هذه الكأس. ولكن لا كما أنا أريد، بل كما أنت تريد “. ومنها الثبات واللجاجة، ومنها إرادة الله أن نصلح سيرتنا قبل الإستجابة، ومنها عدم استحقاقنا لما نطلب أو عدم استحقاق من نطلب له، ومنها كون عدم الاستجابة أفضل من الإستجابة، أما إذا تحققت كل الشروط فلا شك أنه تعالى يستجيب صلاتنا.