غني في الفردوس

رفع أحد المعلمين الأتقياء عينيه نحو السماء يسأل الله أن يكشف له عن مكانته في الحياة الأخرى، وكانت المفاجأة أنه سمع صوتًا يقول له إنه سيكون في الفردوس مع أحد الأغنياء.  

تعجب ذلك المعلم التقي كيف بعد جهاد روحي منذ طفولته وتكريس كل طاقاته للدراسة والتعليم مع حبه واهتمامه برعاية الشعب يبلغ ما يناله رجل غني يعيش في حياة مترفة.

التقى المعلم بالغني وبدأ يسأله عن حياته الروحية وسلوكه، فأجابه الغني أنه يمارس حياته اليومية العادية مثله مثل بقية أصدقائه الأغنياء... وإذ حاول المعلم أن يعرف عنه أكثر أجابه أنه يعطي من ماله نصيبًا للفقراء باستمرار.

قال المعلم في نفسه إنه لا يمكن مجرد العطاء للفقراء يهبه نصيبًا في الفردوس مثله تمامًا، فسأله أن يروي له عن بعض أعمال محبته.

روى الغني أنه اعتاد ان يلتقي بأحد القباطنة الذي يقدم له من حين إلى أخر بعض المجوهرات أو الأشياء الثمينة التي يحضرها إليه من عبر البحار ليشتريها. في إحدى المرات التقى به فسأل القبطان إن كان قد أحضر معه شيئًا ثمينًا، فقال له القبطان إنه لم يحضر شيئًا سوى 200 عبدًا يريد أن يبيعهم بعشرة آلاف قطعة ذهبية. شعر الغني أن المبلغ ليس بقليل، لكن تحرير مائتي عبدًا من بني جنسه أثمن بكثير من الذهب، وبدون تردد قدم الذهب واستلم العبيد. قدم لهم كل احتياجاتهم من مسكن ومأكل ومشرب، بل وقام بتزويج بعض الشبان منهم بالشابات... وتحولت المدينة كما إلى عيد عظيم.

لاحظ الغني بين الذين حررهم فتاة تتسم بالرقة واللطف مع جمال فائق، فسأل ابنه إن كان يتزوجها، فوافق الابن، كما سأل الفتاة فقبلت الزواج منه.

أقيم حفل عظيم لخطبه ابن الغني وكانت المدينة كلها متهللة، خاصة العبيد الذين تحرروا.

في اليوم التالي لاحظ الغني أحد الشبان المتحررين في حزن. لاطفه الغني وبدأ يسأله عن السبب فلم يجب، وإذ ألح عليه قال له أنه يشكره لأنه حرره مع كل أخوته وزملائه، وأنه قدم له كل احتياجاتهم لكن أمرًا واحدًا قد ضايقه قليلًا، وهو زواج ابنه بالفتاة الجميلة، فقد سبق أن اتفقا على الزواج قبل تحريرهما. صمت الرجل قليلًا، وبمحبة سأل الشاب: "لماذا لم تخبرني بذلك قبل زواج ابني؟" أجابة الشاب: "لقد خجلت فإن أفضالك عليّ وعلى زملائي لا تقدر!"

عندئذ سأله الرجل: "الآن ماذا أقدم لك عوض ما أصابك من ضرر؟" أجابه الشاب: "لست أظن أن ذهبًا أو فضة يمكن أن يعوضني عن الفتاة"؟ صمت الرجل قليلًا ثم ذهب إلى ابنه يروي له ما حدث، فأعلن الشاب رغبته في ترك الفتاة فإنه لن يسعد على حساب سعادة غيره.

أقيمت حفل خطبة الشاب وتهلل الغني وابنه وكل من حولهما من أجل فرح الشابين اللذين كانا عبدين وتحررا وتزوجا. إذ سمع المعلم القصة قبل الغني وأدرك أنه باتساع قلبه بالحب صار له هذا المركز العظيم في عيني الله.

رصد انترنت

 

إن المقالات والآراء التي تردنا و ُتنشر في قنشرين تعبّر عن رأي الجهة المرسلة أو عن رأي كاتبها شخصياً وليس بالضرورة عن رأي إدارة قنشرين