Head
ما جئت لألقي سلاماً! .. بقلم الأب :منويل بدر

[ ما جئت لألقي سلاماً! .. بقلم الأب :منويل بدر ]
مقالات وآراء

يا للعجب! هل هذا صحيح أنّ هذه هي كلمات المسيح الذي قال عنه الأنبياء أنّه سيكون رسول السّلام الحقيقي، هو الذي يوم ميلاده بشّر الملائكة أيضاً بميلاد السّلام على الأرض، هو الّذي قال: سلامي أعطيكم، لا كما يعطيكم العالم أعطيكم أنا، هو الذي أوصى بالمصالحة والسلام حتى مع الأعداء، هو الذي أوصى بمكان آخر، حينما تنوي الجيوش المتعادية إعلان بداية الحرب على بعضها، أن تلتقي أوّلا بعثات من الطّرفين للحوار والمصالحة قبل إطلاق أوّل رصاصة، هو الّذي يقول اليوم: إنّي ما جئت لألقي سلاماً بل حرباً؟ وأيّ تناقض في الأسلوب والهدف إذن! ماذا يريد أن يقول لنا المسيح بهذه العبارة النّادرة؟

الحروب متنوّعة فمنها ما هو للتدمير والإستعمار كالحروب التي تخوضها أمريكا بضراوة وشراسة لا هوادة ولا رحمة فيها وذلك باستعمال أبشع وأحدث وأقوى الآسلحة الفتّاكة على أعدائها لكي تبقى هي القوّة العظمى الوحيدة الحاكمة في العالم فتستغلّه لمصالحها السّياسيّة. ثم هناك حروب المنافسة بالإنتاج والصّناعة للإستغلال المادّي –وهذا يقسّي القلوب ويبعد عن الله– ثم هناك الحروب العائليّة والمناوشات الخاصّة للحصول على منصب أعلى أو معاش أكبر في العمل...

الذي يريد الحرب بل ويعلنها ويقودها نسمّيه ثائر سياسي متغطرس، محبّ للسلطة والإستعباد، هو نفسه يحمل السّلاح ككلّ مقاوم ثمّ يسلّح أتباعه للدّفاع ضد الأعداء المزعومين أن يكونوا أعداء الحزب والوطن! فأيّ حرب من هذه الحروب عنى المسيح وأنّه يريد إشعالها حينما قال: جئت لألقي ناراً، وما أشدّ رغبتي في أن تشتعل!.

أريد أن أطمئنكم، أن المسيح لا علاقة له بالثورات السياسية وليس هو ثائراً كأيّ ثائر في البلدان الفقيرة للقضاء على الحكام الظالمين، فهو ما عنى لا هذه ولا تلك من الحروب الّلاإنسانيّة. المسيح جاء ليعلن حرباً روحيّة على قوى الشّر الّتي هي كالأخطبوط ذي الأذرع الكثيرة والطّويلة الّتي تسمّمم القلوب والعقول بالحقد والنميمة والكذب ومخالفة باقي الوصايا.. هذه الحرب عنى المسيح، وهي حرب عادلة إذا صحّ التعبير لأنّها شخصيّة ولا تشهر السّلاح على أحد.

حتّى نفهم ما عنى المسيح لايجوز أن ننسى الخطاب الّذي سبق والّذي انتهى بهذه الجملة. وإنني أعتبره خطأ من الكنيسة أن تقبل بابتداء إنجيل الأحد اليوم بهذه الجملة الّتي يسوء فهمها للغريب بيننا، وللذي لم يسمع الخطاب السّابق قبل التلفظ بهذه الجملة. يسوع كان منهمكاً بشرح الإنضمام إلى ديانته الجديدة والإيمان به. هذا وكان عدد الّذين تبعوه حتّى الآن فئة صغيرة وقد حدث بلبال كبير بين المنضمّين إليه والإيمان به وبين العادين له، مما أدّى إلى انشقاق وبلبلة كبيرة في صفوف السامعين: فمنهم الأوثان الّذين ما كان عندهم فكرة عنه حتّى الآن، ومنهم بعض الفريسيّين الّذين أعجبوا بشروحاته الجديدة وانضمّوا إليه، فحدث خلاف بينهم وبين صفوف الفرّيسيّين الّذين رفضوا الدّعوة واتباعه. ثم الخلاف في العائلات الّتي كان ربّ البيت هو الّذي يقرّر المصير لباقي أعضاء عائلته، لكن أفراداً من هنا وهناك داسوا على سلطة الأب وتركوا عائلتهم وانضمّوا إلى عائلة المسيح الجديدة، فحدث النزاع الذي يذكره يسوع اليوم: إنّي جئت لألقي الإنقسام. نعم سينقسم النّاس، فيقوم الأب على ابنه والإين على أبيه، والأم على ابنتها والبنت على أمّها. هذه اسمها فوضى عائليّة لا حرب قتاليّة. فمن فهم هذه السّوابق، فهم ما هي الأرضيّة لهذه الحرب الّتي أراد يسوع إشعالها.

فالإيمان إذن هو مدعاة للخلاف حول شخص المسيح. وهذا الخلاف قائم ودائم ما دام هناك مؤمنون وغير مؤمنين بيسوع. ويمكن تسمية هذه الخلافات الدينية بالحرب الدّينيّة، أي الحرب بين المؤمن والوثني، فإن يسوع ليس بالشخص الهيّن قبوله بدون النقاش بين الحق والباطل. هذا ولقد تنبأ سمعان الشيخ بهذا الخلاف عندما أخذه والدها لطقس التطهير بعد 40 يوماً من ولادته إلى الهيكل: "أنّ هذا الطفل قد جعل لسقوط كثيرين من النّاس وقيام كثيرين من إسرائيل، وآية معرّضة للرفض "(لوقا 34:2). إن يسوع كان دائما آلة حارقة تشعل النّقاش أينما جرى الحديث عنه، كان له من يقبلوه ومن يرفضوه "كما اضضطهدوني سيضطهدونك أيضا وسيقودونكم إلى المحاكم، لكن لا تخافوا ولا تهكلوا همّا لما ستقولونه، إنّ الرّوح سيعطيكم ما تتكلّمون به". كم من حروب واضطهادات قامت، ولا تزال تقوم في التّاريخ بسببه. اضطهاد الكنيسة والمسيحيّين في كل عصر وبلا نهاية ولا هوادة. كم من كنيسة تهدّمت واحترقت تحت نيران الإضطهاد في روسيا الشّيوعية، في نيجيريا، في العراق، في مصر، قبل وأثناء وبعد مظاهرات الرّبيع العربي. وبعد خطاب البابا بندكتس السادس عشر في ألمانيا عام 2006 كم من مبشّر ورجل دين وراهبة ماتوا على يد المتطرّفين. أليست هذه هي الحرب التي عناها المسيح بكلمته اليوم؟

وماذا نقول عن الخلافات بين الأهل وأبنائهم بسب الدّين والإيمان بالمسيح. فكم وكم من الأولاد يخيّبون آمال أهلهم، الذين يعملون كلّ جهدهم لغرس نبتة الإيمان بأولادهم ولكنّهم يتفاجأؤون إذا بأولادهم يسلكون باتّجاه معاكس لكل النّصائح والإرشادات والتّقاليد، بل يعلنون الحرب على أهلهم بكلمة واحدة: "أنا حرّ! هذا مش شغلكم". الحرب الّتي أعلنها المسيح لا تحتاج لاستعمال السّلاح كما نرى وبهذا الصّدد يجب فهم كلمات إنجيل اليوم.

إن أعداء الإيمان كثيرون. وعلى الإيمان إذا أراد أن يبقى حياً ونافعاً وجذاباً لكلّ الأجيال، وليس كنظام سياسيّ لجيل فقط ويموت بموت مؤسّسه، أن يبقى يبني على مبادىء وتعليم مؤسّسه "إذ عبثا يبني البنّاؤون إذا لم يبنوا على أساس متين". الدّين ليس ثقافة عصريّة تتغيّر بحسب الإكتشافات والأحوال اليوميّة. فلسنا بحاجة لإيجاد دين يومي يوافق تقلّباتنا ورغائبنا البشريّة، بل عندنا وثيقة مختومة بختم المسيح وما علينا إلاّ إيصالها. هي التي تربطنا بالله وببعضنا فنؤلّف عائلة وجماعة المؤمنين الواحدة، والّتي إن تمسّكت بالتعليم تصبح النّور الذي يضيء للسالكين والسّاكنين في الظلمة.

لا، ما عاد الإيمان سهلاً إذ اتّجاهات وآراء كثيرة تنافسه وتحاربه اليوم. فمن واجبنا أن لا نصبح ورقة شجر تطير باتجاه ما يهبّ الريح. السّمك هو الحيوان الوحيد في البحر الّذي يستطيع أن يصطاد ما يعيش منه لأنّه يسير بالإتجاه المعاكس لمجرى البحار والمياه. هكذا نحن علينا أن نحيا ونعطي شهادة للدين في العالم الّذي نعيش فيه حتّى وإن كان تعليم هذا الدّين لا يتوافق مع آراء واتّجاهات العالم الحاضر.

ثقوا فإني قد غلبت العالم.


18 / 08 / 2013
Print
Send to friend
Back

 

إقرأ أيضاً
 * أحلام طفل و أمنيات قاتل...؟ بقلم: المحامي نوري إيشوع
 * الفسيفساء فن سوري أصيل ... إعداد: لوسين كردو
 * لقد وجدت طريق دمشق ! ... بقلم: المحامي نوري إيشوع
 * حكاية عشق من وطني .. بقلم : المهندس إلياس قومي
 * قطرات المطر...! بقلم : المحامي نوري إيشوع
 * المعجزة الكبرى ... بقلم: آرا سوفاليان
 * الإعلام المسيحي المشرقي بين الحاضر والمستقبل .. بقلم: المهندس بيير حنا ايواز
 * الدنيا دولاب...! بقلم: المحامي نوري إيشوع


   
أخبار العالم | اخبار مسيحية | محليات | حوادث | علوم وتكنولوجيا | ثقافة وفن | طب وصحة | منوعات | لكِ سيدتي | عالم السريان | مقالات وآراء | قصص مسيحية | أريد حلاً | عيناي دائماً إلى الرب |

Qenshrin.com
Qenshrin.net
All Right reserved @ Qenshrin 2003-2015