Head
حديث الياسمين

[ حديث الياسمين ]
محليات

لفتتني كتاباته، ومنشوراته في صفحته، كنا أصدقاء افتراضيين، فأصبحنا حقيقيين، هو سامي سترينغيتا، الإيطالي الجنسية، الدمشقي العشق...حديث دار بيننا، ولما ينتهِ بعد..
- اشتقتُ لدمشق عاصمة الياسمين..
- وأنا اشتقت لحلب عاصمة الحضارة..

- آخر مرة زرت دمشق، ذهبتُ فيها إلى المدينة القديمة، وكان هناك شباب وصبايا يحتفلن بالميلاد..
- وأنا آخر مرة زرت حلب، ذهبت إلى مكاني المعتاد، وهو السوق القديم المواجه للقلعة العتيدة، وجلست في المقاهي المتاخمة لسورها..
- رغم أني في حلب إلا أنني أتشهّى أن أشرب فنجان قهوة في مقهى من تلك المقاهي، أن أتمتع برؤية القلعة الشامخة، وكأنها لوحة من عصور ماجدة، ولكني للأسف لا أستطيع الذهاب إليها..
- ابتسمي يا صديقتي فرغم أننا في عصر الحرية وثورتها المزعومة .. إلا أننا لا نملك قرار الذهاب إلى معظم الأماكن التي كنا نرتادها فيما مضى بحرية..
- مازلت أبتسم، لا بل أضحك وأقهقه رغم حجم الحزن الداخلي الذي مزّقنا، لأن لدي إيماناً وحدساً مردّه إيماني بوطني، وبروعته، وبحضارته، مردّه أننا سننتصر لا محالة، فمهما تكالبت علينا الأمم، ومهما مزقوا وحرقوا في مدننا، مدننا الجميلة ستعود إلينا أحلى وأبهى وأنضر..
- صدقيني هم يحرقون الجانب المظلم من مدننا .. يحرقون الحجر فقط، أما حضارتنا وتاريخنا.. تعايشنا ومحبتنا فهي بعيدة المنال عن قذارتهم.. لن نبكي على سوريتنا المدمرة؛ لأننا سنعود ونبنيها بفكرنا النير وسواعدنا الشابة.

- أتعلم؟ بعد أن فجّروا ساحة سعد الله الجابري، ورأيت صور التفجير بداية في موقع التواصل لم أصدق أن هذه هي ساحتنا، غضبتُ وشتمتُ، ولعنتهم، شعرت بأن هناك قوةً ما في داخلي تجعلني أزداد شراسة في وجههم، وعندما رأيت الحجم الأكبر من التدمير على قنواتنا الفضائية الوطنية، شيء ما راح يفتت داخلي، لكني لم أنهزم، وعندما زرت الساحة مؤخراً وقفتُ في نفس المكان الذي حصل فيه التفجير، وشعرت كأني في حلب أخرى، هذه ليست حلبنا التي نعرف، كانت رائحة قذارة فكرهم تنبع منها.. ومشيتُ تاركةً هذا الخراب خلفي..

- هم دمّروا حجارةَ تلك الساحة.. لكنهم لم يدمّروا تلك الذكريات واللحظات الجميلة التي قضيتها قبلُ في هذا المكان.. حين غزا التتار مدننا، دمروها عن بكرة أبيها، لكنها رغم ذلك عادت لتحيا وترمي حضارتها على كل محيطها .. سوريتنا أطهر من أن ينال منها الأنجاس مادام يسكنها شعب جبار كشعبها.. وإجرامهم لا يزيدنا إلا تمسكاً وتعصباً لأرضنا.

- ذكرتني الآن بكل قصائد الشعر التي كتبت لحلب وعنها ولها، تذكرت أبا فراس الحمداني، تذكرت المتنبي، تذكرت القصيدة الوحيدة التي كتبها شاعر الحب نزار عن حلب، فكل الدروب توصل إلى روما، ودرب الحب يوصل إلى حلب.... ذكرتني باحتفاليتها عاصمةً للثقافة الإسلامية، حين ذهبتُ إلى أعلى بناء أمام بستان القصر، لأصوّر هذا المكان/البستان الذي كان يهنأ فيه سيف الدولة، البستان الذي كان فيه القصر يجمع شعراء وأدباء ومفكري حلب... هذا المكان اليوم يعجّ بخفافيش الظلام، أرأيتَ كيف تحوّلت مكانة وقيمة هذا القصر ودلالته؟!

- لا تحزني ياعزيزتي.. ولا تلتفتي إلى الوراء، فأزمتنا عابرة كما عبرت قبلها أزمات كثيرة .. هي امتحان لصمودنا وتماسكنا .. امتحان لمحبتنا وتعايشنا.. فإن أكملنا طرقنا دون الالتفات سنخرج من هذا النفق المظلم إلى النور الساطع الذي سيغطي كل أرجاء الوطن.. ليشع أمناً وسلاماً لكل العالم.. وكلي إيمان بأننا سنخرج وسننتصر.. أؤمن بهذا الانتصار كإيماني بصليب يسوع وقرآن محمّد .. وأثق بالقوة الكامنة في وجدان السوريين كثقتي بالإله الواحد.

- عزيزي.. الحزن سيمحوه النصر، لن يستطيعوا أن يهدموا مابنيناه من عشقٍ لأمكنتنا، من تجذر في هذه الأرض الطيبة، كنا معاً وسنبقى معاً نبني هذا الوطن الغالي، ولن يستطيعوا أن يفككوا هذه اللحمة التي تعود إلى غابر الأزمان، مسيحيين وإسلاماً كنّا، وسنبقى على هذه الأرض، لأنها لنا، وليست لهم، مهما حاولوا أن يشدّوا ليقطعوا هذا الحبل بيننا لن يستطيعوا، حبلُنا من فولاذ، كإرادتنا، صليبنا وهلالنا يتعانقان في كل سماء سورية، وتشرق عليهما الشمس ليزدادا لمعاناً ونوراً.... هم لايعرفون ولايدركون من هم السوريون، وهانحن اليوم نريهم صورتنا الساطعة، ليس لهم فقط، بل لكل دول العالم..

- صدقتٍ.. لطالما آمنا وتمسكنا بأرضنا التي خلقنا فيها فلن يقتلعوا جذورنا منها .. رغم كل الألم الذي يعتمل في قلوبنا .. رغم كل الأنين الذي يصدح في صدورنا مازلنا نجد مكاناً للبسمة على شفاهنا .. مازلنا نسمع ونتمتم أغانٍ فيروز في الصباح .. رغم كل الدماء التي نزفت وما تزال تنزف فنحن نمضي بحياتنا كالمعتاد.. فهل تنتظرين الهزيمة أو اليأس أن ينالا منا الآن؟!

- أنا لا أنتظر إلا اليوم الذي نعانق فيه كل جندي من جنودنا البواسل الذين يدافعون عن حمى وطننا، نحن سوريون ياصديقي، والسوريون شعب لايعرف الهزيمة أو اليأس، نحن شعب أكبر من كل مايحاك لنا، مشروعهم الصهيوني الماسوني لن يكتمل مادمنا نحن هنا، تهديمهم لدياناتنا لن ينال من حضارتنا وفكرنا، وسيكون المقتل التاريخي لهذا المشروع هنا في أرضنا، كتبتُ هذا في أوراقي، وسيكون، لأن التاريخ اليوم يعود إلى الوراء، فيما نحن نمضي إلى المستقبل بكل إيمان بشروقه الجميل، ولكن مايحزنني ياصديقي هذا النزيف السوري الذي لم يتوقف بعد، جنود وأبطال.. أناس وطنيون..أطفال أبرياء.. أصدقاء وأقارب وجيران.. كلهم فقدناهم، ولانريد أن نفقد آخرين، هؤلاء القتلة لايدركون معنى عشق الوطن، كيف لنا أن نشرح لهم حبنا لأمنا سورية؟!

- إن عشقنا لسوريتنا قد لا تحتويه كتبٌ ومراجعٌ في العشق ... فإذن دعيني أخبرك عن تجربتي في عشقي المحموم لهذه الأرض الطاهرة لعلني أفرغ ما في أعماقي من مشاعر مجنونة....رغم أنني غريب عن هذا الوطن ورغم كل المعوقات التي تعترضني في مسيرة حياتي .. رغم إحساسي بانعدام أبسط حقوقي بالمواطنة .. ورغم كل الإغراءات التي قدمت لي للرحيل والعودة إلى وطني الأم،، بلاد روما .. ورغم كل المخاطر التي عشتُها أبيتُ أن أترك أرضَ المعركة، وقررتُ أن أكون من المرابطين على الأرض التي تربيتُ فيها وترعرعت وأكلت من خيراتها .. تلك الأرض التي احتميت فيها صغيراً واستفدت من مكتسباتها .. نعم لن أنسحب الآن وأهرب مثل أي جبان، لقد خلقت هنا وسأموت هنا. ولكن جلّ ما يقهرني ويؤلمني هو بعض المواطنين الذين يتشدقون بحق المواطنة ولا يملكون ولا أدنى انتماء لوطنهم وأرضهم وأرض أجداد أجدادهم، فباعوها بأرخص الأثمان...

وللحديث بقية


بيانكا ماضيّة



15 / 10 / 2012
Print
Send to friend
Back

 

إقرأ أيضاً
 * أزمة المازوت إلى انفراج تدريجي في منتصف الشهر الحالي
 * وزير الصحة: البدء بإنتاج أدوية سرطانية محليا
 * حقيبة الكترونية للكتب المدرسية
 * حجب الفضائية السورية والدراما على القمر هوت بيرد
 * رئيس الوزراء يصدر قراراً بصرف رواتب العاملين بالدولة بدءا من 23 الشهر الحالي
 * نوري اسكندر... أيها السوري جداً
 * التربية: امتحانات شهادة التعليم الأساسي بالتزامن مع الصفوف الانتقالية
 * بدء العمل بالتوقيت الشتوي 26 الشهر الجاري


   
أخبار العالم | اخبار مسيحية | محليات | حوادث | علوم وتكنولوجيا | ثقافة وفن | طب وصحة | منوعات | لكِ سيدتي | عالم السريان | مقالات وآراء | قصص مسيحية | أريد حلاً | عيناي دائماً إلى الرب |

Qenshrin.com
Qenshrin.net
All Right reserved @ Qenshrin 2003-2015