Head
ست سنوات على رحيل المؤرخ الدكتور نقولا زيادة... إعداد :عبد الله حجار

[ ست سنوات على رحيل المؤرخ الدكتور نقولا زيادة... إعداد :عبد الله حجار ]
مقالات وآراء

السيرة الذاتية:

ولد الدكتور نيقولا زيادة في دمشق عام 1907 في عائلة جاءت من مدينة الناصرة إلى دمشق حيث كان الأب يعمل في تمديد الخط الحديدي الحجازي. توفي والده وعمره ثماني سنوات، فعادت به أُمّه إلى الناصرة ليتكفّل بتربيته وأخوته الثلاثة جدّه لأمّه. وعندما صار عمره خمسة عشر عاماً قُبِل في دار المعلمين بالقدس وتخرّج منها ليصبح مدرّساً للتاريخ والجغرافية في مدرسة عكا الثانوية (1925 – 1935). قام بزيارة سوريا ولبنان سيراً على الأقدام سنة 1925 بدءاً من صفد لتنتهي بانطاكية عرف فيها شموخ جبل الشيخ ومركزية قلعة الشقيف وبترا وتدمر باعتبارهما بوابتي الصحراء..‏  . اهتمّ بالآثار وعمل مع السير فلندرز بتري في حفريات أثرية. وظهر ميله للتاريخ بنشره مقالا العام 1930 عن "معركة مجدّو" في مجلّة "المقتطف" المصرية. أُرسل العام 1935 في منحة لدراسة التاريخ القديم وخاصة اليوناني والروماني في جامعة لندن وحصل على البكالوريوس العام 1939. وعاد إلى فلسطين ليُدرّس في الكلية العربية في القدس. وبعد ثماني سنوات، سافر مرة أخرى إلى لندن والتحق بمدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية بجامعة لندن وحصل على الدكتوراه في التاريخ عن أطروحته التي قدّمها سنة 1950 حول "تاريخ المدن السورية".
عمل الدكتور نقولا العام 1949 في دائرة التاريخ في الجامعة الأميركية في بيروت واستمر فيها حتى العام 1973. بعد تقاعده من الجامعة الأميركية، أشرف في جامعة القديس يوسف في بيروت على رسائل الدكتوراه في التاريخ العربي حتى العام 1992 . بالإضافة إلى ذلك درّس في الجامعة الأردنية (1976 - 1978) وعاد من عمان إلى بيروت، عاملاً في الجامعة اللبنانية محاضراً ومشرفاً، ومشاركاً في عدة مؤتمرات دولية. كما عمل استاذاً زائراً في عدد من الجامعات الكبيرة بينها هارفارد باميركا وعين شمس بمصر وفي ليبيا. كتب في الصحف والمجلات، مخالفاً بذلك رأي زملائه الأساتذة الجامعيين الذين يعتبرون أن مهنة الأستاذ هي في التدريس والبحث العلمي، وكان هدفه تصحيح المغالطات أو النواقص في الموضوعات التاريخية المنشورة في الصحف وتثقيف أولئك العامة الذين لم تتح لهم الفرصة لإتمام دراستهم.

يقول عن مؤلفاته: "لي أربعون كتاباً باللغة العربية وستة كتب بالانكليزية وتسعة كتب مترجمة من الانكليزية إلى العربية وكتاب مترجم من الألمانية إلى العربية اسمه "تاريخ العرب". أول كتاب كان العام 1943، وكان عن رواد الشرق العربي في العصور الوسطى الشرقيين منهم والغربيين، طبع طبعة ثانية العام 1986 في بيروت، ولي بالانكليزية كتاب عن السنوسية وكتاب عن جذور الحركة الوطنية في تونس. ولي 125 مقالاً كبيراً أو بحثاً أُلقي في المؤتمرات. أما المقالات الصغيرة فكثيرة ولي ألف وسبعمائة حديث إذاعي بالعربية كتبتُها وقدّمتُها وحوالى خمسمائة بالانكليزية." وقد قامت “الاهلية للنشر والتوزيع” بجمع مؤلفاته العربية في مجموعة كاملة سنة 2002 دعيت ” الاعمال الكاملة ” في 23 مجلدا.

نذكر من أهمّ مؤلفاته: - قمم من الفكر العربي الإسلامي، 1987، الجغرافيا والرحلات عند العرب، 1987 ، أيامي (سيرة ذاتية) 1992، المسيحية والعرب، 2001. والكتاب الأخير كان بحثاً طلبه الامير سلمان بن عبد العزيز بأن يكتب عن /المسيحية والعرب/ فكتب بحثا وأرسله الى الأمير ومن ثم طوّر وأصبح كتاباً كاملاً طبع وعمر مؤلفه 93 سنة ولعله آخر كتبه ..إنّ طلب تأليف الكتاب يبيّن روعة إدراك مفهوم الحوار مع الآخر وفهمه والعيش معه بمحبة مهما اختلفت المذاهب والمشارب. ومن أهم الكتب المترجمة عن الانكليزية كتاب ” تاريخ البشرية ” للمؤرخ آرنولد توينبي، وقد اتبع طريقته في عدم الاكتفاء بالسرد التاريخي بل في الغوص بالبحث عن الأسباب وتحليل العوامل. فالتاريخ، برأي توينبي، هو" تحدٍّ واستجابة". كما ركّز على ضرورة ربط الأرض بأحداث التاريخ اي التاريخ الجغرافي. كان كثير الانتاج المشبع بالروح الانسانية  والمرحة ويعتبر بحق أحد كبار المؤرخين العرب في القرن العشرين.
دعا الدكتور نقولا زيادة الأصدقاء والمقربين اليه في الوطن العربي للاحتفال في بيروت ببلوغه المئة من العمر، ولكنه رحل عن هذه الفانية قبل شهرين فقط من اتمامه القرن إذ انتقل الى رحمة الله في    تشرين الأول 2006.

أقيم أكثر من ندوة في الوطن العربي للتحدث عن مؤرخ العرب في القرن العشرين وبخاصة في بيروت ودمشق وعمان والقدس تحدث فيه الأساتذة المحاورون عن اهتماماته الموسوعية في التاريخ على اختلاف وجهات النظر فيه، وقد حمل الهمّ العربي طيلة قرن من الزمن صافي العروبة والوفاء. كان يقول عن نفسه: " انا في حياتي مثلث احد اضلاعه المسيحية والضلع الثاني الارثوذكسية فأما القاعدة فهي العروبة". كان من من دعاة الوحدة العربية مثل أستاذه درويش المقدادي وساطع الحصري وقسطنطين زريق وغيرهم. كان يفهم القومية العربية على أنها شعور بالانتماء إلى أُمّة لها تراث مشترك من الشعر والأدب والدين والتاريخ والسياسة . فكان يدعو إلى النضال من أجل الاستقلال ثم إلى الوحدة العربية التدريجية، بحيث تتوحد في مرحلة أولى شعوب الأمة العربية في أربعة كيانات بحكم الجغرافية هي: جزيرة العرب، والعراق والشام، ومصر والسودان، والمغرب العربي. وعندما نعلم ان الدكتور نقولا زيادة ولد بدمشق وترعرع في الناصرة وعكا والقدس وعاش في بيروت وكتب عن العرب في المشرق والمغرب فهل نستغرب بعدها ان يكون قلبه وفكره طافحين بحب القومية العربية والعمل على ازدهارها. 

وعرف الدكتور زيادة بمحبته ووفائه لزملائه من أمثال الدكتور محمد محفل ومحمد خير فارس، وقد ذكر أحد الأصدقاء في حفل تكريمه وتأبينه بدمشق انه كان يدرج نحو المئة بفرحٍ غامر .. ويخطّط لأيامه المقبلة بنشوة الايام الاولى، وعاش ضاحكاً وساخرا.. عاش القرن العشرين بطوله وهو في معظمه أسوأ قرن في تاريخ العرب المعاصر، وفي فؤاده ثلاث حسرات وفي روحه اربع متع.. اما الحسرات فهي : فقدانه لوالده في سن مبكرة.. وفقدان وطنه فلسطين ثم فقدان زوجته.‏ أما المتع.. التي لم يبرح عطرها فهي : السفر والحروف والحسان ونقيع العنب.‏

 الدكتور نقولا زيادة وحلب:
أذكر كلمة الدكتور نقولا زيادة "تحيّة الى العاديات" التي كتبها في آخر صفحتين من العدد الثاني والثالث للسنة الأولى 2004 لمجلّة العاديات التي صدرت بعد طول انتظار ذلك العام ، وقد بيّن فيها قدومه الى حلب أول مرّة العام 1925 عندما مشى على الأقدام من صفد في فلسطين الى مدينة أنطاكية( حيث دُعي المؤمنون مسيحيين لأول مرة، كما تعلمنا أعمال الرسل). وزارها ثانية العام 1952 مع ثلاثة من تلامذته الأمريكيين في زيارة للجزيرة، وكان قد انضمّ الى قسم التاريخ في الجامعة الأمريكية في بيروت العام 1949 ، ويذكر انه دُعي مرة ثالثة الى حلب العام 1965  ليكون خطيب حفلة التخرّج في كلية حلب الأمريكية (معهد حلب العلمي). كما دعاه الدكتور أحمد يوسف الحسن رئيس جامعة حلب العام 1975 لالقاء محاضرة في الجامعة.
ويتابع الدكتور زيادة ذكرياته مع حلب فيقول: " كانت حلب تقضمني لقمةً لقمة وأتعرّف على المدينة تاريخياً وجغرافياً، وأعرّف على نشاطها صفحةً صفحة. وأهمّ من هذا كان أهل المعرفة فيها يحتضنونني. وكان أن قُدّر لي في نهاية المطاف أن أقع أسير جمعية العاديات برئاسة رئيسها الاستاذ محمد قجّة. وأدّعي، وأنا أفخرُ بذلك، بانني قلّما سلمتُ من شباكه لندوةٍ أو مؤتمر أو خطاب.

     وتوالت زياراتي لمدينة حلب ومنابرها في العقود الثلاثة الأخيرة من القرن الماضي محاضراً في ندوات هامة لابن عربي وابن حزم وبلاط سيف الدولة ولسان الدين الخطيب الأندلسي.. وكنتُ أتمنّى أن تُتوّج العاديات أعمالها بمجلّة تحمل اسمها، وكنت أسمع الوعد بأن المشروع على النار.

وأخيراً نضج المشروع وحمل البريد إليّ العدد الأوّل من المجلّة . كان سروري كبيراً، وكلّي إيمان أن يدفع أهل القلم الباحثون الى المجلّة بمقالاتٍ في مستواها. إلى الأمام جمعية العاديات!".(كتب هذه الكلمات وهو في السابعة والتسعين من العمر)

مع الذكريات:
أذكرُ لقائي بالدكتور نقولا زيادة العام 1994 في الندوة الدولية" حلب على طريق الحرير" التي انعقدت بحلب في فندق شهباء الشام وكان رئيس جلسة ومحاضراً وتكلمتُ عن "قنصلية البندقية – دار بوخه" في مداخلتي مع الشرائح المصوّرة.

ولا أنسى تقريظه لكتابي"معالم حلب الأثرية" في طبعته الأولى عام 1990 والتي نشرها في جريدة "الرأي" الأردنية بتاريخ 13/7/1995 ونصح زائر حلب بالحصول على كتابي، وعن طريق الشرح والمخططات والصور التي فيه، لن يحتاج الى مرشد أو دليل في جولاته بحلب.

وهل ننسى محاضراته الرائعة من على منبر جمعية العاديات يقّدمها واقفا على قدميه طيلة ساعة وربع، وفي يده ورقة كتب فيها رؤوس أقلام المحاضرة، يجيب في ختامها على أسئلة الحضور يغمره حبور الشباب وحيويتهم وقد قارب السنوات الأخيرة من العقد العاشر من العمر. 

كنتُ أتمنى أن أهديه الطبعة الثالثة من كتابي "معالم حلب الأثرية" التي صدرت العام 2010 بطباعتها الأنيقة وصورها الملونة، وقد أضفتُ اليها بناء على طلبه، البحث المسهب ضمن 20 صفحة عن تاريخ حلب. لكنه غادرنا رحمه الله قبل شهرين من لقائه بزملائه وأصدقائه للاحتفال بيوم مولده المئوي. رحمك الله يا دكتور نقولا ، ذكر الطيبين يبقى مؤبداُ بما خلفوه من أعمال ومعرفة للانسانية.

    حلب 7/7/2012
 المهندس عبدالله حجار


04 / 10 / 2012
Print
Send to friend
Back

 

إقرأ أيضاً
 * أحلام طفل و أمنيات قاتل...؟ بقلم: المحامي نوري إيشوع
 * الفسيفساء فن سوري أصيل ... إعداد: لوسين كردو
 * لقد وجدت طريق دمشق ! ... بقلم: المحامي نوري إيشوع
 * حكاية عشق من وطني .. بقلم : المهندس إلياس قومي
 * قطرات المطر...! بقلم : المحامي نوري إيشوع
 * المعجزة الكبرى ... بقلم: آرا سوفاليان
 * الإعلام المسيحي المشرقي بين الحاضر والمستقبل .. بقلم: المهندس بيير حنا ايواز
 * الدنيا دولاب...! بقلم: المحامي نوري إيشوع


   
أخبار العالم | اخبار مسيحية | محليات | حوادث | علوم وتكنولوجيا | ثقافة وفن | طب وصحة | منوعات | لكِ سيدتي | عالم السريان | مقالات وآراء | قصص مسيحية | أريد حلاً | عيناي دائماً إلى الرب |

Qenshrin.com
Qenshrin.net
All Right reserved @ Qenshrin 2003-2015