Head
بيير ...هل سامحتني ؟...بقلم : إلياس قومي

[ بيير ...هل سامحتني ؟...بقلم : إلياس قومي ]
مقالات وآراء

هتف لي أمس صديق قديم، إذْ لم نلتقِ منذُ أن افترقنا . حيثُ اقتصرت على الزيارات التي لم يعد لها طعماً بعد رحيل زوجتي . سنوات عدة مضت حين أعلنت زوجتي عن رغبتها بالعمل، ولتذمرها من الشعور بالوحدة .فأصبحتُ أأخذها لذات المكان ولكن في قسمٍ أخر، وكانت زوجة بيير ممن تعرفتْ عليها.. بعد حين اصبحنا نتبادلُ الزيارات العائلية .

بالأمس كل شيءٍ عادياً لم ألحظ أمراً ما ...لربما لظروفي الصحية لم تدعني أن أدقق في تلك حشرجات صوته ...لقد ارتحت لتلك ابتسامته التي كانت تجيئني عبر الهاتف. كان يحدثني بهدوء عذب، وكأنه من خارج هذه الأرض. وكي لاأكتم مشاعري كأنها من السماء تتدلى تلك كلماته، لاعبر الأسلاك، بل بالأثير القادم من فوق ممن في الأعالي ... رحت احلق مع حديثه، كلماته كانت تسيل من فمه، كأنها قطرات من عسلٍ رُضاب...شيئاً واحداً أحسستُ به أنه متعبٌ. كنت قد شممت رائحة تعبه من خلال ترددات انفاسه ، وقبل أن يغلق الهاتف دعاني ان ازوره في الغد، لكن في مشفى القلب المقدس الذي لايبعد عن بيتي سوى لدقائق معدودات ... وحين جاء وقت الزيارة أخذت باقةً من الزهور ذات اللون المحبب لي اعني اللون الكرزي .

استجمعتُ قواي وصعدت الى الطابق الثالث ..كان الباب مفتوحاً . هاهو ولده الصغير ،وتلك هي زوجته ،وشاباً وسيمَ القامةَ أيضاً. لحظات هاهو بيير فوق سرير و مجموعة من الممرضات والأطباء، لقد خرجوا للتو من غرفة العمليات. رأيت في وجهه كل معاني الأسى ، اغرورقت عيناي بالدمع.

ربت على كتفي ذاك الشاب. وراح يحدثني عن محبة الله ، وكيف يجب أن نتقبل الأمور برضى بعد أن نعمل إرادته، كي نكون أمناء على مانقوم به ، يبدو أنه قد جاء مفتقداً هذا الذي دعاني البارحة لزيارته ..بيير يبتسم وكأنه يحدث ملائكةً حوله .

ماذا حدث مامن مرة زرته.لم يخرج أمامي ..لم يقف لتحيتي ترى منذ متى ...وراحت زوجته تقص لي حكاية المرض بلهجتها الباريسية، شعرها الأشقر ذاك راح يغزو ه الشيب، وعلى وجهها أرتسمت علامات القلق والخوف انه الدخان ... من ملأ صدره .. ترى هل فكرنا ذات مرة لزيارة مريض. أنك سترى غير هذا الذي تراه.

ستعرف حقاً لماذا علينا أن نزور من هو محتاجاً، مريضاً كان، أم سجيناً . إنَّ فيها لحكمة لنا نحن، من ندعي أنفسنا اصحاء. وكم من مرض ينخر في أنفسنا قبل أجسادنا هل تعلمنا معنى المحبة التي ينادي بها رجالات الله. أم نحن ندونها عبر اصابعٍ خشبية لاروح فيها. هل تسألنا ذات مرة عن ما تعنيه تلك الأيات والصفحات والكتب ..يقيني كثيراً ما تأخذنا الأمور وتشغلنا الأحداث وننسى أنفسنا ... فنكتب دون أن ندع فرصة للوقوف مع الذات أليس من الواجب التطلع للوراء لنرى ما أنتجته ايادينا . وهل هو عيبٌ أن راجعنا افكارنا نحن قبل أن نسوقها لتملأ الأفق روائحاً غير مستحبة لاسمح الله. من قال لسنا بحاجة للأستنارة مثلنا مثل غيرنا وقد يكون هؤلاء هم في مقدمة الصفوف لكن لانشغالاتهم يتراجعون في امر ٍ ، لنبدو نحن نتخطاهم، وكأننا نسبقهم . ولو دققنا لرأينا هم الأنقى يداً،والأجملَ ابداعاً ، والأغلى قلباً وقامةً وما يمنحونه لنا سيبقى مصادرَ نورٍ تُضيءُ كلَّ مساحاتِ الظلمة فينا. أوليست الكتابة هي حديقة نتنفس فيها نحن كي نمنح القارىء بعضاً من الراحة.

أم نعتبرها مكباً لقمامة أفكارنا . متناسين أن الكتابة من هبات الخالق لنا . \"..ترى من منا بلاخطيئة...\" ولكن هل يكفي أن نرددها اعترافٌ جميلٌ لكنْ ماذا تنفع هذه ذاك من اسئنا اليه من لطمناه على خده الأيمن أليس من الواجب أن نتطلع لدواخلنا الكتابة قبل كل شيء هي تطهيرٌ للذات, وإلا أصبحت ترفاً على حساب الأخرين حسناً نفعل أن نشارك الناس بما يدمي قلوبنا . لكن أن لانرميهم بالأشواك . متذكرين أن مامن أحدٍ لايحتاج للأخر .

طلبت الاعتذار من بيير وزوجته بعد أنْ اردت منه أن يسامحني عن هفواتٍ لربما لم يعد يتذكرها. كم من مرةٍ كان يضايقني، ولكن كنت التزم الصمت ، فلم ارد عليه ابداً.. وحتى اليوم أنا من طلبتُ الاعتذار منه فلربما لهذا دعاني لزيارته ليعتذر مني. ادمعت عيناه ،تذكر جيداً... تلك الالعاب التي كان يفتعلها مع ماريو صديقه. وبقيت صامداً حتى تعرفوا هم علي بشكل تام أنني لست سوى صورة لمن في داخلي يحيا، من يعيش في صدري ، من تعرفتُ عليه منذ بواكير شبابي..مَنْ أحاججه كل مساءْ.

خرجت من عنده... كانت الجو ربيعياً هاهم التلاميذ داخل سور المدرسة اطفال يصرخون بصوتٍ خافت ...رأيتُ في وجوههم البريئة وجه بيير، وتلك السماحة التي راحت تفوح من محياه. كم فرحوا يوم أعدتُ لهم الكرة تلك. رغم تعبي حيث انحنيت لأخذها. لكن اردتُ أن يفرحوا...كانت ابنتي تنتظرني في البيت. وكنتُ منشغلاً بتلك الهمسات التي رافقتني طيلة هذه الساعات يوم راح يرددها بيير بكل هدوءٍ أنه يطلب الاعتذار مني ...لقد سامحتكَ يابيير من كل قلبي سامحتك، لكنْ هل أنت سامحتني ؟

المهندس إلياس قومي


11 / 06 / 2012
Print
Send to friend
Back

 

إقرأ أيضاً
 * أحلام طفل و أمنيات قاتل...؟ بقلم: المحامي نوري إيشوع
 * الفسيفساء فن سوري أصيل ... إعداد: لوسين كردو
 * لقد وجدت طريق دمشق ! ... بقلم: المحامي نوري إيشوع
 * حكاية عشق من وطني .. بقلم : المهندس إلياس قومي
 * قطرات المطر...! بقلم : المحامي نوري إيشوع
 * المعجزة الكبرى ... بقلم: آرا سوفاليان
 * الإعلام المسيحي المشرقي بين الحاضر والمستقبل .. بقلم: المهندس بيير حنا ايواز
 * الدنيا دولاب...! بقلم: المحامي نوري إيشوع


   
أخبار العالم | اخبار مسيحية | محليات | حوادث | علوم وتكنولوجيا | ثقافة وفن | طب وصحة | منوعات | لكِ سيدتي | عالم السريان | مقالات وآراء | قصص مسيحية | أريد حلاً | عيناي دائماً إلى الرب |

Qenshrin.com
Qenshrin.net
All Right reserved @ Qenshrin 2003-2015