Head
موتُنا مؤجَّلٌ إلى حين ... بقلم :صبري يوسف

[ موتُنا مؤجَّلٌ إلى حين ... بقلم :صبري يوسف ]
مقالات وآراء

إلى روح الشَّاعر العزيز واصف متّى عزّو

الحياةُ نسمةٌ عابرة
شهقةٌ هائمة فوقَ ثغرِ غيمة
رحلةٌ محفوفةٌ بالآهاتِ
     غائصة في شظايا الإشتعال!

الحياةُ بسمةُ حائرة
     فوقَ وميضِ الزَّمنِ
قصيدةٌ عذبة منبعثة
     من خصوبةِ الغابات
تحملُ بين جذوعها أوجاعَ الموتِ

الموتُ صديق الكائنات،
     كلَّ الكائنات
يغفو فوقَ شيخوخةِ هذا الزَّمان
     فوقَ أغصانِ الحياة!
يولدُ الموتُ عندَ الولادة
     عندَ إنسيابِ الدَّمعة
الموتُ صديقُ الغيمة
صديقُ البحرِ والسَّماء
صديقُ النُّورِ والعتمة!

الإنسانُ رحلةٌ من لونِ الغمامِ

نحنُ موتى .. وموتُنا مؤجّلٌ إلى حين
وهذا الحين سيحينُ يوماً
وما بينَ حينٍ وحين
تهتاجُ الريّحُ
وتسطعُ الذكريات
     فوقَ شواطئِ الرُّوحِ
تريدُ أن تبقى ساطعةً
     على جدارِ الزَّمنِ
هل للزمنِ جدار؟
ثمّةَ عمرٌ من لونِ البكاءِ
     من تواشيحِ زرقةِ السَّماءِ
ثمّةَ عمرٌ من دكنةِ اللّيلِ
     من لظى المراراتِ
     من تشظِّي الآهاتِ

موتٌ في لحظةِ العبورِ
موتٌ فوقَ الأراجيحِ
موتٌ بينَ أحضانِ الأمّهاتِ
موتٌ في صباحِ العيدِ
في مساءاتِ الدُّفءِ البعيدِ

موتٌ في رابعةِ النّهارِ
     فوقَ سككِ القطارِ
     في أعماقِ البحارِ
موتٌ في قبَّةِ السَّماءِ
     في ربوعِ الشّتاءِ
     في أرقى تجلِّياتِ الدُّعاءِ
موتٌ بينَ أحضانِ الفرحِ
     بينَ اخضرارِ المروجِ
     بينَ وهادِ الغربةِ
موتٌ عندَ بزوغِ الفجرِ
     عندَ هطولِ الثًَّلجِ
موتٌ في كلِّ حين!

لم أجدْ في حياتي حقيقة ناصعةً
     مثلَ حقيقةِ الموتِ
     مثلَ مرارةِ الموتِ
     مثلَ وميضِ الموتِ
     مثلَ نعمةِ الموتِ!
هل فعلاً الموتُ نعمة؟
الموتُ نعمةٌ من الأعالي
يضعُ حدّاً لعذاباتِ البشر
لآلامِ البشر
لآهاتِ البشر

وحدهُ الموت لا يميّزُ بينَ البشر
يحمل بين شدقيه عدالةً
     ولا كلَّ العدالاتِ

الحياةُ أشبه ما تكون رحلة
     من لونِ السَّراب
الحياةُ وجعٌ مفتوح
     على غربةِ الإنسان
غريبٌ أنا في رحابِ الحياةِ
غريبٌ أنا في طياتِ السَّماء
غريبٌ أنا منذ الولادةِ حتّى المماتِ!

نعبرُ الحياةَ على إيقاعِ الصَّباحِ
نرحلُ على إيقاعِ اللَّيلِ
ومضةٌ عابرة في دنيا المكان
غصّةٌ جارحة في عمرِ الزَّمانِ!

يتوهُ الإنسانُ في صليلِ الحياةِ
لا يعلمُ أن حفرةً صغيرةً
     وقليلاً من الخشبِ
نصيبه من محطَّاتِ العمرِ!

يخرُّ الإنسانُ سريعاً مثل ذيلِ نيزكِ
عابراً دكنةَ اللَّيل
فارشاً أحزانه على وجنةِ القمر
نسى الإنسانُ أنّه بسمة عابرة
    فوقَ خدودِ اللَّيلِ
نسى أنَّه غيمةٌ عابرة فوقَ هاماتِ الجبالِ
نسى أنّه وردةٌ تائهة بينَ رجرجاتِ الحياةِ
نسى أنّه ضياءُ نجمةٍ من لونِ البكاءِ!

تعال يا موت
كم أشتهي أنْ ألملمَ عذوبتكَ
     حولَ صقيعِ غربتي
تعالَ فقد آنَ الأوان
أن نعقدَ معاهدةَ حبٍّ بيننا وبينَ المطر!

تعال يا صديقي
فلا مفرَّ من لجينِ الإشتعال
لا مفرَّ من العبورِ
     في شهقاتِ السّماءِ

عجباً أرى ملايين البشر
تعبرُ دكنةَ الليل
ملايين البشرُ تحضنُ أعماقَ التُّرابِ
وحدُهُ الموتُ يقفُ مقهقهاً
     في وجهِ الحماقاتِ
     في وجهِ اعوجاجاتِ هذا الزَّمان!
وحده الموتُ لا يهابُ جبابرةَ الكونِ
وحدُهُ الموتُ يفرشُ عدالته
     فوقَ خدودِ الكونِ
وحدُهُ الموتُ سيدّ العدالاتِ
وحدُهُ الموتُ صديقُ الكائنات
يخفِّفُ من أنينِ الأوجاعِ
يضعُ حدَّاً لإندلاقاتِ الألمِ
يمسحُ في غمضةِ عين كلَّ الآهاتِ!
وحدُه حرفي يترجمُ شهقةَ الموتِ
     فوقَ  مآقي الزَّمنِ!


صبري يوسف
كاتب وشاعر سوري مقيم في ستوكهولم



06 / 06 / 2012
Print
Send to friend
Back

 

إقرأ أيضاً
 * أحلام طفل و أمنيات قاتل...؟ بقلم: المحامي نوري إيشوع
 * الفسيفساء فن سوري أصيل ... إعداد: لوسين كردو
 * لقد وجدت طريق دمشق ! ... بقلم: المحامي نوري إيشوع
 * حكاية عشق من وطني .. بقلم : المهندس إلياس قومي
 * قطرات المطر...! بقلم : المحامي نوري إيشوع
 * المعجزة الكبرى ... بقلم: آرا سوفاليان
 * الإعلام المسيحي المشرقي بين الحاضر والمستقبل .. بقلم: المهندس بيير حنا ايواز
 * الدنيا دولاب...! بقلم: المحامي نوري إيشوع


   
أخبار العالم | اخبار مسيحية | محليات | حوادث | علوم وتكنولوجيا | ثقافة وفن | طب وصحة | منوعات | لكِ سيدتي | عالم السريان | مقالات وآراء | قصص مسيحية | أريد حلاً | عيناي دائماً إلى الرب |

Qenshrin.com
Qenshrin.net
All Right reserved @ Qenshrin 2003-2015