Head
البدعـة ودم المـسيح... عظة للمطران بولس يازجي

[ البدعـة ودم المـسيح... عظة للمطران بولس يازجي ]
اخبار مسيحية

البدعـة ودم المـسيح
"ولما قال هذا جثا على ركبتَيه مع جميعهم وصلَّى"

 

علَّمَ بولس في أفسس سنواتٍ ثلاث، "لم يكفّ فيها ليلاً ونهاراً أن ينصح كلّ واحد بدموع"، وأسّس في تلك المدينة كنيسة حيّة. والآن يمرّ بعجلة بهذه المدينة وهو متجه إلى أورشليم ليصل إليها في عيد العنصرة، فيتوقف في ميليتس، ويستدعي كهنة أفسس ويشدِّدهم وينبِّههم إلى ثمن الكنيسة التي أقامهم الروح القدس كهنة فيها، الكنيسة التي اشتُريتْ بدم يسوع الثمين. وينبِّه بولس تلك الكنيسة الحية الناشئة من "ظهور ذئاب خاطفة لا تشفق على الرعيّة، الذين سيتكلّمون بأمور ملتوية ليجتذبوا التلاميذ وراءهم". تختار الكنيسة هذا النصّ لتذكار المجمع الأوّل المسكونـيّ النيقاويّ الذي نحتفل به اليوم، حيث اجتمع /318/ أباً من كلّ المسكونة ليحافظوا على وحدة الإيمان والشركة.

هناك تمييز بين نوعَين من الأخطار في كلمات بولس، وقد كان ذلك واضحاً في التاريخ الكنسيّ. فيصف بولس الهراطقة بذئاب خاطفة لا تشفق على الرعيّة. ويبدو أن سبب ذلك هو أحد أمرين، الأول أنهم "يتكلّمون بأمور ملتوية"، والثاني هو أنهم يودّون أن "يجتذبوا التلاميذ وراءهم". من هنا تنشأ الهرطقات؛ أوّلاً من إدخال تعاليم غريبة، وثانياً من التحزّب في جسـم الكنيسة الواحدة. لذلك هناك كلمتان تحملان تقريباً المعنى ذاته في التاريخ الكنسيّ وهما: "البدعة" و"الشقاق". هكذا من لا يحمل الإيمان (أي طريقة الحياة الكنسيّة) يصير: "شيعة"، بمعنى الجماعة الغريبة عن جسم الكنيسة الحقيقيّة. فالهرطقة كلمة تعني الخروج عن وحدة الإيمان (بدعة)، كما تعني الخروج عن وحدة الشركة (شيعة - شقاق).

شهدتْ المسيحيّة، في تاريخها الطويل ومنذ سنِيّ نشأتها الأولى، تقسّماتٍ عديدة. وراح الجسم الكنسيّ في العالم يتمزّق عبر العصور شرقاً، ثمّ بين الشرق والغرب، ثمّ غرباً. ولذلك صارت الوحدةُ من أهم المطالب الحقيقيّة للتعبير عن الحياة الكنسيّة السليمة والحقيقيّة. لم تشهد جماعة العهد القديم تقسّمات كما في المسيحيّة التي بعدها. عرفت اليهوديّة شيعاً فيها كالفريسيّين والصدوقيّين... لكنَّ العالم المسيحيّ عانى من انشقاقات أكبر وأعمق وأكثر. ومرَّد ذلك هو الاختلاف البنيوي في الإيمان بين العهدين. إذ في حين أن "الشريعة" كانت تعطي للدين في العهد القديم، تفسيراته المحدودة، وبذلك تمنع الاجتهادات. كما أن الدين القديم تمحور حول حفظ بعض الوصايا (التي تحولت إلى شريعة) وكانت وصايا مُنـزلة (كتابية) لا حقّ لأي إنسان في تفسيرها أو تعديلها أو تأويلها. على العكس، إنّ الدين الجديد (المسيحيّة) بسموّ عقائده (فوق الوصايا) وخاصّة سرّ التجسّد، من ناحية، وبمنهجيّته التي تتجاوز الشرائع والفرائض وتفتح الجهاد الروحيّ على دنيا النعمة والحريّة، من ناحية ثانية، هما أمران جعلا التفرّع في المسيحيّة سهلاً جدّاً للأسف، وذلك بين بدع وبين تحزّبات.

يشدِّد المسيحيّون على "المجامع المسكونيّة السبعة"! وهذا العنوان الأساسي في الحياة الكنسيّة المسيحيّة يحمل معنى عميقاً روحيّاً وتاريخياً. وقد يجهل اليوم الأغلبية من المسيحيّين قيمة هذا العنوان! ما الذي جرى في هذه المجامع وكان ضروريّاً جدّاً لإيقاف الانشقاقات والتمزّقات في جسم المسيح (الكنيسة) في الزمان والمكان؟

لقد جاهدتْ كلّ هذه المجامع من أجل أمرين. الأمر الأول هو تحديد التفسير الصحيح للإيمان المسيحيّ، وتحديد إطاره العام، الذي إذا ما خرج عنه الواحد صار خارج حياة الكنيسة وإيمانها. وهكذا قدَّمتْ لنا هذه المجامع الحمايةَ والرعايةَ التي تمنع شطط المسيحيّين من الباب الفكريّ، وتحفظهم من الخروج بسبب خدعة المنطق وبلبلة الفلسفات عن جسم الكنيسة المقدس الواحد. أمّا الأمر الثاني فهو أنّ هذه المجامع شدّدت على طابعها المسكونـيّ، أي على "أن يكون الجميع معاً" ويقرروا أن يبقوا معاً؛ كما فعل بولس هنا في أفسس، فدعا جميع أساقفة أفسس (الكهنة): "وجثا مع جميعهم وصلَّى". لم تكن المشاكل التي تعرضت لها كلّ هذه المجامع مشاكلَ تخصّ كلّ الكنائس في العالم، وربما كانت تلك البدع تخص مكاناً أكثر من مكان آخر وتعذِّب كنيسة محليّة هنا أكثر من الكنيسة الأخرى هناك. لكن المجمع ليس للجواب على الضلال المنطقيّ أو التفسيريّ، المجمع بالأساس هو تعبير عن الاجتماع والوحدة، أي أن "يجثو الجميع معاً" ويصلون. فإذا كان المجمع يصلح الشطط عن الإيمان فإنه بالوقت ذاته يشدَّد على البقاء معاً في الوحدة دون شقاق. لذلك لا تحضِّر كنيستنا الأرثوذكسيّة إلى "مجمع مسكونـيّ" ثامن! ولكن إلى اجتماع أرثوذكسيّ موسّع. حيث أن الأرثوذكس في تعلّقهم بالوحدة مع الكنائس الشقيقة، يريدون أن يحفظوا هذا اللقب المقدّس "مجمع مسكونـيّ" للكنيسة حين تلتئم مجتمعة شرقاً وغرباً ومن كلّ المسكونة. هذا احترام لمفهوم الحوار والوحدة عميق جدّاً ويدلّ على محبّة أخويّة يجهلها كثيرون.

لقد نجحت "المجامع المسكونيّة السبعة" المقدّسة "بتحويط" الإيمان المسيحيّ بالعبارات والمفاهيم الكافية التي تمنع انسلاخ عضو عن الجسم الكنسيّ بسبب الأخطاء في التفاسير والمفاهيم. لكن للأسف، لم تستطع الكنيسةُ بَعد، مع المجامع المقدّسة، أن تمنع الانشقاقات! لقد برهن التاريخ الكنسيّ أن الهرطقات الفكريّة تقريباً قد ولَّتْ لأن أمور العقيدة قد تحدَّدت. لكن بدأت تكثر الهرطقات الأخرى، أي الانشقاقات الانتمائيّة. فهذا لبولس وذلك لأبولّس، والاثنان يكرزان بالمسيح! إنها سياسة التحزيب، حين يعلٍّم البعض "ليجتذبوا التلاميذ وراءهم" وليس ليربحوهم للمسيح! وهذا ما شهده بالأخصّ شرقنا المسيحيّ. حيث انشقّت كلّ العائلات المسيحيّة بين أرثوذكس وكاثوليك. وهذا ما يسمّى "بالكثلكة". فانفصل الروم الكاثوليك عن الروم الأرثوذكس، وانشقّ السريان الكاثوليك عن السريان الأرثوذكس وكذلك الأرمن الكاثوليك عن عائلتهم الأرثوذكسيّة... وهكذا دواليك. وذلك بالأساس لم يكن من أجل إيمان بل من أجل انتماء، وهذا هو الشقاق. لذلك نجد هذه العائلات تحمل الطقس ذاته والأعياد ذاتها...ولكن جرحت بينها المحبّة حين تركت بولس لتنتمي لأبولس باسم المسيح. "بولس زرع وأبولس سقى والله هو الذي ينمي"، هذا جواب بولس على الشقاقات.

هناك سلاح قوي جدّاً يفتك بالشقاقات والضلالات الفكريّة. لقد جرَّب المسيحيّون الإمبراطور كسلاح لضمان الوحدة بين الكنائس (السلطة الزمنيّة) فوجدوه قد انقلب إلى عنصر شقاق وصار هو بولس أو أبولُّس آخر. لكن بولس الرسول، وهو يترك أهل أفسس ويودّعهم منبِّهاً إيّاهم من الشقاقات الفكريّة والنـزاعات الانتمائيّة، يترك لهم سلاحاً رهيباً: إنه "دمُ المسيح" الذي اشتُريتْ به الكنيسة.

كلّ شقاق هو هدر واحتقار لدم المسيح الكريم. التأمّل في هذا الثمن الباهظ يجعل كلاً منّا يرتجف أمام المساس بجسد يسوع، وكنيسته في التاريخ. لقد أقام الروح القدس الأساقفة والكهنة وكل خدام الكنيسة "ليرعوا كنيسة المسيح التي اقتناها بدمه" الكريم. التأمل بثمن دم المسيح يجعلنا نضع المحبّة فوق مسألة "جرّ التلاميذ وراءنا". التأمل بثمن دم المسيح- يجعلنا نضع تعاليم الإيمان فوق لذة الاجتهادات الملتوية. مَن يعرف قيمة دم يسوع يقف أمام تعاليم المجامع بخشوع ودراسة وتأمل. مَن يعرف قيمة دم يسوع لا يذهب وراء أحد بل "يجثو مع الجميع على الركب ويصلّي"، آمين.

المطران بولس يازجي
مطران حلب والاسكندرون وتوابعهما للروم الارثوذكس

الإنجيل
(يو17: 1-13)

في ذلك الزمان رفع يسوع عينيه إلى السماء وقال يا أبت قد أتت الساعة مجّد ابنك ليمجدك ابنك أيضاً كما أعطيته سلطاناً على كل بشر ليعطي كل من أعطيته له حياةً أبدية وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي والذي أرسلته يسوع المسيح أنا قد مجدتك على الأرض قد أتممت العمل الذي أعطيتني لأعمله والآن مجدني أنت يا أبت عندك بالمجد الذي كان لي عندك من قبل كون العالم قد أعلنت اسمك للناس الذين أعطيتهم لي من العالم. هم كانوا لكَ وأنتَ أعطيتهم لي وقد حفظوا كلامك والآن قد علموا أن كل ما أعطيته لي هو منك لأن الكلام الذي أعطيته لي أعطيته لهم. وهم قبلوا وعلموا حقاً أني منك خرجت وآمنوا أنك أرسلتني أنا من أجلهم أسأل لا أسأل من أجل العالم بل من أجل الذين أعطيتهم لي. لأنهم لكَ كل شيء لي هو لكَ وكل شيء لكَ هو لي وأنا قد مُجِّدت فيهم ولست أنا بعد في العالم وهؤلاء هم في العالم وأنا آتي إليك. أيها الآب القدوس احفظهم باسمك الذين أعطيتهم لي ليكونوا واحداً كما نحن حين كنت معهم في العالم كنت أحفظهم باسمك. إن الذين أعطيتهم لي قد حفظتهم ولم يهلك منهم أحد إلا ابن الهلاك ليتمّ الكتاب أما الآن فإني آتي إليك وأنا أتكلم بهذا في العالم ليكون فرحي كاملاً فيهم.

 



26 / 05 / 2012
Print
Send to friend
Back

 

إقرأ أيضاً
 * قذيفة هاون جديدة تصيب مبنى مطرانية السريان الأرثوذكس بحلب
 * اختطاف رجل دين مسيحي في بلدة القريتين بريف حمص
 * المسيحيون في موتالا السويدية يحيون الذكرى المئوية على مجازر الابادة الجماعية بحق شعبنا
 * حلب ـ مسيرة شموع تطالب بالتحرك الجاد لإطلاق سراح المطرانين المخطوفين
 * رفعت الصلوات في بيروت و دمشق للأساقفة و الكهنة المختطفين، مع تزايد المخاوف حول مصيرهم
 * جهاديات داعش يُقمن معسكر تدريبي داخل كاتدرائية مار سمعان العمودي
 * إيطاليا توقف مهاجرين مسلمين متهمين بإلقاء مسيحيين في البحر
 * اليازجي: نحن على رجاء أن المطرانين على قيد الحياة، لكن دون دليل حسي


   
أخبار العالم | اخبار مسيحية | محليات | حوادث | علوم وتكنولوجيا | ثقافة وفن | طب وصحة | منوعات | لكِ سيدتي | عالم السريان | مقالات وآراء | قصص مسيحية | أريد حلاً | عيناي دائماً إلى الرب |

Qenshrin.com
Qenshrin.net
All Right reserved @ Qenshrin 2003-2015