Head
رحيل عالم الآثار الأب باسكال كستلاناغلا... راعي القرى المنسية في الريف السوري

[ رحيل عالم الآثار الأب باسكال كستلاناغلا... راعي القرى المنسية في الريف السوري ]
محليات

انتقل الأب باسكال كستلانا الى الديار السماوية في الساعات الأولى من صباح السبت 28 نيسان 2012 وهو في الحادية والتسعين من العمر بعد إصابة منعته من السير وألزمته الفراش حوالي السنة. وقد عرض جثمانه في صالون دير الآباء الفرنسيسيين في حيّ "العزيزية" بحلب لإلقاء نظرة الوداع على من أمضى زهرة عمره وشبابه وشيخوخته في محبة الله والقريب وبلدنا الحبيب سورية. وليوارى الثرى يوم الاثنين 30 نيسان 2012 في احتفال مهيب يشارك فيه جميع إخوته الرهبان وأخواته الراهبات ومعارفه ومحبّيه.

ولد الأب باسكال في الأول من آب العام 1921 في قرية فافاراFavara التابعة لمقاطعة أغريجنتو Agregento  الواقعة في جنوب جزيرة صقلية. ودّع أهله قاصدا الأراضي المقدّسة في فلسطين ليخدم الله والقريب بالانخراط في السلك الرهباني لدى الآباء الفرنسيسيين في القدس. سيم كاهنا العام 1945 وأرسل الى حلب العام 1946 ليخدم الرعية اللاتينية متنقّلاً بين حلب والقنية واليعقوبية والغسّانية واللاذقية وكان آخر المطاف الذي استغرق 66 عاماً، والذي ودّع منه هذه الحياة الفانية هو حلب التي لا تبعد كثيراً عن القرى الأثرية التي طالما زارها وكتب عنها وأحبّها.

مؤلّفاته:
كان أول اتصال للأب باسكال مع الآثار في حزيران 1967 عندما اكتُشفت فسيفساء أرضية كنيسة في بلدة الغسانية التي كان كاهن الرعية فيها، ثمّ كتب مقالة عن أرضية كنيسة عالية جنوب محمبل التي اكتشفت العام 1968. ومنذ ذلك العام قرّر الأب باسكال وبالتعاون مع زميليه الأبوين إنياس بنيا وروموالدو فرنانديز تشكيل فريق عمل جادّ قام، بعد دراسة جميع ما كُتب من قبل الباحثين والرحّالة عن المدن المنسية"المدن الميتة" أو القرى الأثرية في الريف شمال غربي سورية، القيام برصد حركة النساك والرهبان على اختلاف أنواعها ومتابعة مواقع سكناهم ميدانياً في جبال الكتلة الكلسية الممتدة بين قورش/سيروس (النبي هوري) وأفاميا وبين حلب وأنطاكية والتي تضم 820 قرية وموقعاً أثرياً وأكثر من 2000 كنيسة كانت درّتها كنيسة القديس سمعان العمودي. وكان الرهبان الثلاثة كتلة نشاط مثمر استمر خمسة وثلاثين عاما بين بدء عملهم العام 1968 وحتى العام 2003.

فصدرت لهم معاً الكتب التالية( باللغة الفرنسية):
   - النساك العموديون السوريون، عام 1975 ترجم الى العربية عام 2002
   - نساك الأبراج السوريون، عام 1980
   - نساك الأديرة السوريون، عام 1983
  - إحصاء آثار جبل باريشا، عام 1987
 - إحصاء جبل الأعلى، عام 1990
 - إحصاء آثار جبل الوسطاني، عام 1999
 - إحصاء آثار جبل الدويلي، عام 2003

- وأصدر الأب باسكال باللغة العربية منفردا لوحده عدة كتب منها: "تاريخ الكنيسة في القرون الأربعة الأولى" عام 1985 كما أصدر بالاشتراك مع م. أكارتا كروم كتاب"سورية أرض التاريخ والآثار والقداسة" عام 1991. والعديد من المقالات باللغة الايطالية التي نُشرت ترجمتها من قبل المهندس سمير حجار  في النشرة الرعوية السنوية للطائفة.

- صدر له بالايطالية وبالاشتراك مع الأب روموالدو فرنانديز والمهندس المعماري الايطالي ألِسّندرو دو بناردو  كتاب "معبد ودير مار توما في صيدنايا" عام 2008.

- أصدرت الباحثة فرنشيسكا سيفيريني العام 2011 كتاباً جمعت فيه ضمن 390 صفحة جميع مقالات الأب باسكال التي كتبها بالايطالية خلال خمسة وثلاثين عاماً عن النساك والرهبان والمواقع الأثرية المختلفة في الكتلة الكلسية وسواها، وفيها العديد من الأبحاث الجديدة عن مواقع لم يعرفها أي باحث من قبل في جبل سمعان وجبل الزاوية وحول إدلب وسواها.   

- صدر للأب باسكال بالاشتراك مع الأب روموالدو كتاب"على خطى مار مارون" بمناسبة مرور 1600 عام على رقاد مار مارون(410 – 2010)، وقد أهدياه الى روح زميلهما الأب إنياس بنيا الذي توفي العام  2010. 

- كما أصدر الأب باسكال بالايطالية لوحده كتابه الأخير"النسّاك والرهبان السوريون بين التاريخ والجغرافية" عام 2011، وكان مسك الختام أهداه الى رفيقي الدرب الأبوين بنيا وفرنانديز وضع فيه خلاصة تجربته الحياتية وأبحاثه وقد بلغ التسعين من العمر. وقد قام المهندس سمير حجار بترجمة الكتاب الى العربية ونأمل ان يصدر قريباً.

 ويذكر للأب باسكال الفضل في تعريفنا بمكان تنسك مار مارون في قلعة كالوطه ودفنه في براد بمقالة نشرها العام 1982، وكذلك معرفة مسار الطريق الرومانية بين قورش وأفاميا وكشف موقع نياكابا من خط سير الامبراطور أنطونان وهو موقع تل عقاب (في جبل الدويلي) بالاضافة الى اكتشاف بعض الأحجار الميلية الرومانية التي لم تكن معروفة من قبل.

كما تأكد من مكان المعركة الدامية التي جرت بين نور الدين زنكي والفرنجة بتاريخ 29 حزيران العام 1149م وكانت في موقع "بئر معراتة" التي تبعد أقل من كيلومتر واحد عن قمة النبي أيوب الى الغرب من البارة في جبل الزاوية، وتعرف بالمصادر الأجنبية باسم Fons Muratus  والتي انتصر فيها نور الدين وقتل فيها أمير أنطاكية ريمون دو بواتييه.  

وكان لي شرف مرافقة الأب باسكال وزميليه أحياناً في جولاتهم على القرى الأثرية منذ بدايتها في السبعينيات من القرن الماضي وكان يشاركنا فيها أحيانا المرحوم الأب بولس يتيم، وقد تعلّمتُ منهم الكثير حول الحياة النسكية وكيفية التمييز بين أنواع الكنائس وفترة بنائها. وكان أن أصابتني العدوى فأصدرتُ كتابي  "كنيسة القديس سمعان العمودي وأهمّ آثار جبلي سمعان وحلقة" باللغة العربية وتُرجم الى اللغات الانكليزية والألمانية والفرنسية تسهيلاً لتجوال السياح الأجانب. وكان ذلك إثر الاحتفال بمرور 1500 عام على إنشاء كنيسة القديس سمعان العمودي(491 – 1991)، وبهدف التعريف على الكنوز الأثرية في هذه القرى الأثرية والباحثين الأوائل الذين كتبوا عنها وأهمية استثمارها في السياحة الثقافية الدينية. وقد تم تسجيل بعضها على شكل متنزّهات أثريةNational Parks من قبل منظمة اليونيسكو في قائمة التراث العالميWHL العام 2011. كما أذكر كم كانت سعادة الأب باسكال كبيرة، خلال مرضه الأخير، بمشاهدة الباحثة الدكتورة وداد الخوري التي زارته في غرفته في الدير كي تطمئن على صحته وذلك قبل ثلاثة أشهر بالضبط من وفاته(الصورة)، وقد ساعدته مع زملائه في دراسة ورسم بعض مواقع في جبلي الدويلي والوسطاني كما ذكر ذلك في الكتابين آنفي الذكر.  

إن كتب الأب باسكال وزملائه في حال ترجمتها الى العربية تعتبر قاعدة " المعلومات والأرشفة" التي لا بدّ منها في أي مشروع للنهوض بالريف السوري من خلال التنمية المستدامة المنشودة. لا أعرف من تفانى بحبها وأخلص لها وكتب الأبحاث عنها مثله طيلة 35 عاما بين المحدثين والقدامى. لذلك أعتبره بحق "راعي القرى الأثرية في الريف السوري".

أما عن خصال الفقيد الغالي الأب باسكال فكان ككل راهب فرنسيسي نذر الفقر والعفة والطاعة متواضعاً، زاهداً بأمور الدنيا ومتفانياً في خدمة الرعية والقريب ورغم سرعة انفعاله أحياناً فقد كان يتحلّى بالطيبة ووداعة القلب. ولا أنسى حضوره في الفترة بين 1998 و2005 التي لم يعد باستطاعة والدتي خلالها بسبب الشيخوخة الذهاب الى الكنيسة أيام الأحد والأعياد كعادتها، فكان يحمل اليها القربانة المقدسة، وقد قارب الثمانين من العمر، مرة على الأقل في الاسبوع صاعداً 78 درجة حتى الطبقة الثالثة حيث نسكن، ولم يكن المصعد هناك آنئذ. يناولها القربانة ويملؤها أملاً وحبورا، وندردش بضعة دقائق عن الآثار والمواقع المنوي زيارتها في أول مناسبة سانحة.

مُنح الأب باسكال وسام رئيس الجمهورية الايطالية ووسام قداسة البابا بندكتس السادس عشر الحالي تكريما له على جهوده في التعريف بالكنوز الحضارية السورية في العالم. وكنا في جمعية العاديات، وبمعرفة رئيس الجمعية الأستاذ محمد قجّة، ننتظر الفرصة الملائمة، مع الظروف الصعبة التي يمر بها وطننا الحبيب، للاحتفال بتكريم من كانت سورية وطنا ثانيا له خلال 66 عاماً كانت غنية بالمعرفة والعطاء ومحبة الله والقريب، عرّف العالم خلالها على كنوزنا الحضارية.

كان الأب باسكال يتمنى دائما أن تُحظى المواقع الأثرية الكثيرة التي لم تُدرس بعد بمن يتصدّى لدراستها من الشباب الباحثين، فيتابع عملهم في المنطقة شرقي نهر القويق الأعلى أو الى الشرق الجنوبي من حلب في منطقة خناصر وزبد وجبلي الحص وشبيث أو غربي مستنقع المطخ والحاضر والعيس.. الحصاد كثير، لكن الفعلة قليلون. 

رحمك الله يا أبانا الحبيب، ستلقى الأب إنياس بنيا زميل الدرب الحبيب والأب ميشيل بتشيريللو راعي الفسيفساء في الشرق اللذين سبقاك الى الديار السماوية، حيث لاحزن ولا وجع ولا تنهّد. أرجو أن ترتاح رفاتك بين أشجار السرو قرب كنيسة القنية التي أوصيت أن تدفن بينها. ستفتقدك أحجار أبراج وأعمدة النساك والأديرة وأشجار أحراج جبال الكتلة الكلسية ونباتاتها البرية التي كان يقتات منها رهبان الأيام الغابرة، وسيفتقدك كلّ من عرفك عن قرب. ألهمَ الله إخوتك الرهبان وفي مقدّمتهم الأب الحبيب روموالدو ورئيس الدير الأب جورج وأخواتك الراهبات والأصدقاء الباحثين والمحبين في كل مكان الصبر والسلوان. وذكراك وأسفار كتبك بما حوت من معلومات ستبقى الى الأبد .   
   
إعداد م. عبدالله حجار


02 / 05 / 2012
Print
Send to friend
Back

 

إقرأ أيضاً
 * أزمة المازوت إلى انفراج تدريجي في منتصف الشهر الحالي
 * وزير الصحة: البدء بإنتاج أدوية سرطانية محليا
 * حقيبة الكترونية للكتب المدرسية
 * حجب الفضائية السورية والدراما على القمر هوت بيرد
 * حديث الياسمين
 * رئيس الوزراء يصدر قراراً بصرف رواتب العاملين بالدولة بدءا من 23 الشهر الحالي
 * نوري اسكندر... أيها السوري جداً
 * التربية: امتحانات شهادة التعليم الأساسي بالتزامن مع الصفوف الانتقالية


   
أخبار العالم | اخبار مسيحية | محليات | حوادث | علوم وتكنولوجيا | ثقافة وفن | طب وصحة | منوعات | لكِ سيدتي | عالم السريان | مقالات وآراء | قصص مسيحية | أريد حلاً | عيناي دائماً إلى الرب |

Qenshrin.com
Qenshrin.net
All Right reserved @ Qenshrin 2003-2015