Head
تاريخ الطب وأعلام الأطباء عند السريان في العصرين الأموي والعباسي (ج1)

[ تاريخ الطب وأعلام الأطباء عند السريان في العصرين الأموي والعباسي (ج1) ]
اخبار مسيحية

خدم السريان الطب في العصر العربي بالممارسة والترجمة والتأليف والتعليم، وكان أكثرهم فلاسفة وأطباء معاً لأن دراستهم الطبية لم تكن منفصلة عن دراستهم الفلسفية. إن إبداع هؤلاء الأطباء يندرج ضمن الحضارة العربية، طالما أنهم نشؤوا ضمن الدولة العربية وتكلموا لغتها ونعموا واستفادوا من دعمها المعنوي والمادي، فقد كانوا من أطباء البلاط، وكانت أغلب مؤلفاتهم بالعربية.
كان السريان ينقلون الكتب اليونانية إلى لغتهم السريانية ثم يترجمونها بعدئذٍ من السريانية إلى العربية. وهكذا أصبحوا حلقة للاتصال بين الثقافة الهيلينية والثقافة العربية، وقد وصلت الثقافة الهيلينية إلى الفكر العربي عن طريق السريان واللغة السريانية .

المراكز العلمية للأطباء السريان
• جنديسابور:
جنديسابور مدينة في خوزستان، في الأحواز (الأهواز)، تقوم مقامها الآن مدينة شاه آباد في الجنوب الغربي من إيران. أسسها الملك الساساني (شابور الأول) الذي تزوج ابنة القيصر البيزنطي أورليانوس وبنى لها هذه المدينة، ومنح الأطباء الذين رافقوها مكاناً لبناء مدرسة ومستشفى، فانتقل بذلك الطب اليوناني إلى بلاد فارس. وقد عني كسرى أنوشروان (531-579م)، بمدينة جنديسابور وجامعتها، فساعد على توسع علوم الطب، كما أوعز بوضع مؤلف في السموم بلغ ثلاثين مجلداً، نقله العرب فيما بعد إلى لغتهم.
كانت مدرسة طب جنديسابور في أوج مجدها حين فتح العرب بلاد فارس سنة (19هـ-642م) في عهد الخليفة عمر بن الخطاب، وقد التقت فيها حضارة اليونان بحضارات الشرق بفضل العلماء السريان، فجعلوها مركزاً مرموقاً بين مراكز الدولة الإسلامية العلمية. كانت لغة العلم في جنديسابور اليونانية مع اللغات الفارسية والسريانية والعربية. وكان لمدرسة جنديسابور مستشفى يعد من أكبر المشافي في العهد السابق للإسلام بثلاثة قرون.
كان للسريان إسهام كبير في جنديسابور وشهرة واسعة، لذلك فقد اعتمد الخلفاء المسلمون عليهم في العلاج والترجمة.

• الرها:
الرها هي أدسا Edessa، (وحاليا أورفه Urfa)، وهي أقدم مقر للنصارى السريان، كان في الرها مدرسة طبية ألحق به مستشفيان، وكانت تلحق بها مدرسة وأراض لزراعة النباتات الطبية بحسب المعيار الذي وضعه الساسانيون لدى إنشاء مستشفى جنديسابور.

• حران:
تقع حران على إحدى روافد الفرات الشرقية في سوريا، وسكانها من السريان الوثنيين الذين انتحلوا الصابئة تستراً ليعدهم المسلمون من أهل الكتاب. انتقلت إليها والى أنطاكية معارف الاسكندرسية الهيلينية، ولا سيما الطبية، لانقطاع صلتها بالروم، ولهذا واصل، كما يذكر بروكمان – السوريون في أنطاكية وحران حماية تراث بيزنطة وتنميته ونقله إلى بغداد.
لقد كانت حران مع المدن السورية المهمة الأخرى مراكز علمية تقوم فيها الدراسات العلمية والفلسفية والدينية – الكنسية، ولما جاء المسلمون حافظت على مكانتها وأهميتها العلمية لجهل الفاتحين باللغتين الإغريقية واللاتينية، التي يتقنها الكثير من أبناء السريان المسيحيين والوثنيين (الصابئة). لذلك فقد اعتمد العرب في أول أمرهم على ترجمات أخرجها لهم السريان، وكانت طريقة هؤلاء الآخرين أن ينقلوا الكتاب اليوناني إلى لغتهم السريانية ثم يترجموه بعدئذٍ من السريانية إلى العربية، وهكذا أصبحوا أعظم حلقة للاتصال بين الثقافة الهيلينية والحضارة العربية.

• الحيرة:
كانت الحيرة (حيرتا- بالسريانية- مخيم أو معسكر)، والتي تقع على بعد 5 كيلومترات جنوبي الكوفة، مركزاً حضارياً في عهد المناذرة، حيث كانت عاصمتهم. وفي الحيرة كان يسكن، بالإضافة إلى العرب، النبط (وهم سكان العراق القدماء) والإيرانيون والروم، وهم من أديان مختلفة، زرادشتية ونصرانية ويهودية وصابئة، وكانت ملتقى الحضارات القديمة، وأهلها يتكلمون في الغالب العربية ويكتبون بالسريانية، لغلبة المسيحية فيها، ويستخدمون الخط النبطي (الذي عرف بالكوفي بعد الفتح الإسلامي)، ويعرفون الفارسية والآرامية (سلف السريانية). وقد فقدت الحيرة أهميتها بعد الفتح الإسلامي، ولا سيما بعد إنشاء الكوفة القريبة منها. غير أن كنائسها وأديرتها القريبة أصبحت منبعاً لرواد المعرفة من المؤرخين العرب، حيث كان باستطاعتهم شراء المخطوطات وتدارسها والنقل عنها. وكان في العراق، المحتل من قبل الإيرانيين الساسانيين، قد توفرت، قبيل قدوم العرب المسلمين الفاتحين إليه، ظروف موضوعية وذاتية لأن يمارس المسيحيون نشاطهم بحرية أوفر، نتيجة تطور العلاقات الاجتماعية وتسامح السلطة الإيرانية الزرادشتية- غير التبشيرية- مما خلق ظروفاً أفضل لممارسة النساطرة السريان،الفرقة الأكثر قبولاً وتجاوباً مع السلطة الساسانية، لمجمل نشاطاتهم الدينية والثقافية والحضارية، وإن كانت على العموم غير عميقة وذات أبعاد غير فسيحة.

• بصرى:
كانت بصرى (بسترا) قبل الإسلام تنافس الحيرة بصفتها عاصمة الغساسنة، أعداء المناذرة حكام الحيرة. وبصرى وإن لم تكن العاصمة الوحيدة للغساسنة غير أن لها شهرتها ومركزها ومدينتها، التي فاقت منافستها، حيث كان الغساسنة أكثر التصاقاً بالبيزنطيين، ولا سيما بعد هجرهم لآلهتهم وتنصرهم نظراً لمجاورتهم وتبعيتهم للبيزنطيين. كما كانت بصرى مركزاً لشبكة الطرق التي أسسها الرومان، لأنها كانت قديماً سوقاً تجارية نبطية، فمنها كانت تسير القوافل في كل الاتجاهات.
لقد أخذ الغساسنة بالتحضر والتقرب إلى البيزنطيين حتى تنصروا (الكنيسة السورية الغربية – السريانية) واتخذوا الآرامية لغة ثانية مع العربية.
لقد ورث نصارى المدن الغسانية في العهد الإسلامي خبرات ومعارف أسلافهم، وقد استفادوا من إتقانهم للآرامية والعربية والسريانية والإغريقية في الترجمة، واستعين بهم لهذا السبب.

العصر الأموي
عني الأمويون بنقل العلوم القديمة من يونانية وفارسية وهندية إلى اللغة العربية. وقد وجدوا في المدارس السورية ومدرسيها من السريان ما يحقق غاياتهم، كما بادلهم هؤلاء الإخلاص والولاء. كان للسريان مدارس متعددة فيما بين النهرين والبلاد المجاورة لها، رعاها الأمويون. اشتهر منهم في العصر الأموي يعقوب الرهاوي. كان السريان ينقلون العلوم اليونانية إلى اللغة العربية كالمنطق والطب والطبيعة. وظلت المدارس السريانية مفتوحة الأبواب عند الدولة الأموية كما كانت في الدولة البيزنطية. وقد حفظت اللغة السريانية بعض الكتب اليونانية التي فقد أصلها، وقد كانت الترجمة التي أنجزها السريان في عهدها الأول ترجمة حرفية تقريباً ثم تحرر المتأخرون من حرفية الترجمة. ولم يقتصر السريان على الترجمة من اليونانية بل ترجموا من الفهلوية (الفارسية) أيضاً.

• ماسرجويه:
هو ماسرجش اليهودي، الذي يعرف بيحيى بن ماسرجويه السوري والذي ترجم كتاب الطب (كناش) أهرون Syntagma للقس النصراني والطبيب الاسكندراني هارون، من السريانية إلى العربية، وهو من أقدم التآليف العربية الطبية. يرى مايرهوف بأنه ربما كتب بالإغريقية ثم ترجم إلى السريانية، ثم إلى العربية. كان يهودي المذهب سريانياً، وهو الذي يعنيه أبو بكر محمد بن زكريا الرازي في كتابه الحاوي بقوله: قال اليهودي. ويظهر أن أبحاث أهرون كانت تشتمل على أول وصف لمرض الجدري، وهو داء لم يكن معروفاً في الطب اليوناني القديم.
كان في أيام بني أمية، وانه تولى في الدولة المروانية ترجمة هذا الكتاب إلى العربية والذي وجده عمر بن عبد العزيز رحمه الله في خزائن الكتب فأمر بإخراجه ووضعه في مصلاه واستخار الله في إخراجه إلى المسلمين للانتفاع به، فلما تم له في ذلك أربعون صباحاً أخرجه إلى الناس وبثه في أيديهم.لماسرجويه من الكتب: كناش، وكتاب في الغذاء، وكتاب في طب العين.

العصر العباسي
اقتبس العباسيون الطب عن اليونان خاصة، وعن الفرس والهنود أيضاً. وكان عصر هارون الرشيد، عصر الإسلام الذهبي فأصبحت بغداد عاصمة العالم في الثقافة والسياسة والاقتصاد. وقد نشط الخليفة الرشيد العلوم بجميع الوسائل، وتبعه في ذلك رجاله فزادوها تبسطاً في الأبحاث وتوسعاً في العلاج ومهارة في الجراحة والتشريح وخبرة في العقاقير وتركيبها ومعرفة في الكيمياء وتحليلها، وكانوا قد استقدموا إليهم كثيرين من أطباء تلك الأمم فطببوا الخلفاء ونقلوا لهم الكتب. وقد اشتهر من خلفاء العباسيين المنصور والمأمون بحبهما للتوسع العلمي ورغبتهما في التطلع إلى آفاقه البعيدة مم أثار سخط الجامدين عليهم.
يعزي بعضهم ترجمة الكتب اليونانية في عصر المأمون، إلى رؤيا رآها المأمون، فقد رأى في منامه شيخاً بهي الشكل، جالساً على منبر وهو يخطب ويقول: أنا ارسطوطاليس، فانتبه من منامه وسأل عن أرسطوطاليس فقيل له: رجل حكيم من اليونانيين، فأحضر حنين بن إسحاق، إذ لم يجد من يضاهيه في الترجمة وطلب منه نقل كتب الحكماء اليونانيين إلى اللغة العربية وبذل له من الأموال والعطايا شيئاً كثيراً. إن هذه القصة لا يصح أن تكون سبباً أساسياً في نقل العلوم، إلا أنها تبين في كل حال رغبة الخلفاء في العلم ونقل كل ما كان معروفاً من علوم الأولين إلى اللغة العربية، والدليل على ذلك أن حركة الترجمة بدأت قبل عهد المأمون، وقصة رؤياه إن صحت فهي تدل على أن الحلم كان انعكاس صورة طبيعية لما كان يفكر فيه المأمون في اليقظة.

لقد داخل الخلفاء ملوك الروم، وأتحفهم المنصور بالهدايا الثمينة وسألهم صلته بما لديهم من كتب الحكماء والفلاسفة، وعين لها مهرة التراجمة وكلفهم إحكام ترجمتها، ثم حض الناس على قراءتها ورغبتهم في تعلمها، فنفقت سوق العلم في زمانه، وقامت دولة الحكمة في قصره وتنافس أولو النباهة في العلوم، لما كانوا يرونه من الحظوة التي ينالها أصحاب العلم عند الخليفة، واهتمامه بهم وتقديره لهم، فكان يخلو بهم، ويأنس لمناظرتهم، ويسر بمذاكرتهم، وينالون عنده المنازل الرفيعة والمراتب السنية، حتى صارت الدولة العباسية تضاهي الدولة الرومانية عندما كانت في أوج حضارتها. ولم يمض أكثر من ثلاثة أرباع القرن الأول لتأسيس بغداد حتى تم للعالم العربي أن يفق على أهم كتب أرسطو الفلسفية وعلى نخبة من كتب الشروح لأهل الفلسفة الأفلاطونية الجديدة وعلى جملة من كتب جالينوس الطبية وطائفة من الكتب العلمية الفارسية والهندية. 

الدكتور فيصل دبسي : كلية الطب – جامعة حلب
نشرة كلنا شركاء في الوطن 


20 / 11 / 2006
Print
Send to friend
Back

     

    إقرأ أيضاً
     * قذيفة هاون جديدة تصيب مبنى مطرانية السريان الأرثوذكس بحلب
     * اختطاف رجل دين مسيحي في بلدة القريتين بريف حمص
     * المسيحيون في موتالا السويدية يحيون الذكرى المئوية على مجازر الابادة الجماعية بحق شعبنا
     * حلب ـ مسيرة شموع تطالب بالتحرك الجاد لإطلاق سراح المطرانين المخطوفين
     * رفعت الصلوات في بيروت و دمشق للأساقفة و الكهنة المختطفين، مع تزايد المخاوف حول مصيرهم
     * جهاديات داعش يُقمن معسكر تدريبي داخل كاتدرائية مار سمعان العمودي
     * إيطاليا توقف مهاجرين مسلمين متهمين بإلقاء مسيحيين في البحر
     * اليازجي: نحن على رجاء أن المطرانين على قيد الحياة، لكن دون دليل حسي


       
    أخبار العالم | اخبار مسيحية | محليات | حوادث | علوم وتكنولوجيا | ثقافة وفن | طب وصحة | منوعات | لكِ سيدتي | عالم السريان | مقالات وآراء | قصص مسيحية | أريد حلاً | عيناي دائماً إلى الرب |

    Qenshrin.com
    Qenshrin.net
    All Right reserved @ Qenshrin 2003-2015