Head
كنيستنا بين الراعي والرعية ،بحث في الحالة اللا فقارية .. بقلم : أفريم بيشار

[ كنيستنا بين الراعي والرعية ،بحث في الحالة اللا فقارية .. بقلم : أفريم بيشار ]
عالم السريان

قرأت باهتمام مقالتي الدكتور فيليب حردو الأخيرتين في موقع قنشرين وكانتا بعنوان " لو كنت كاهناً بلا رعية" و " أطفال بلا كنيسة و كنيسة بلا أطفال" ووجدتهما فرصة جيدة لإطلاق حوار مفتوح وشامل حول واقع نشاط الكنيسة بين رعاتها ورعيتها في العصر الحديث، وأن أنتقل من نشاط "كنيسة الرعية" إلى محتوى أعم ألا وهو " كنيسة الطائفة " مبدئياً، وتحديداً كنيستنا السريانية الأرثوذكسية قبل الحديث بشكل أشمل عن الكنيسة الجامعة في العالم، حيث أن القضية تهمنا بشكل مباشر وملح، وهي بمثابة إعادة ترتيب البيت من الداخل بالنسبة لنا، ترتيب وفق أسلوب عصري ومنهجي ومخطط، بعيداً عن النمط التقليدي في التطور الطبيعي الذي سرنا عليه وتعودنا على ممارسته عبر قرون طويلة، فنحن الآن نعيش في زمن متحول وسريع الإيقاع والتطور في كافة ميادين الحياة ومفاهيمها، حيث تطورت فيه نظم الإدارة ووسائل الاتصال والتواصل والمعرفة، حتى بات العالم بحق قرية صغيرة، واختزلت المسافات وباتت كل بقعة من أرجائه تختبئ تحت مفتاح من مفاتيح حواسيبنا.

سأكمل ما بدأه الأخ الدكتور حردو، حول علاقة ودور راعي الكنيسة  "ومهمته العظيمة والتي تتطلب دعم الرعية وتعاونها لكي تستمر الكنيسة بعطائها الروحي والإنساني"  حيث أجد لب الموضوع هنا بالعلاقة الجدلية بين الأطراف الثلاثة : الكنيسة – الراعي - والرعية . الراعي هنا هو بمثابة القائد الذي يعلم، يوجه وينظم، ويستنهض الهمم، يوفر الأرضية الصالحة لتحقيق غاية وجود الكنيسة. والرعية هنا جموع المؤمنين، وهي  أساس مادة الكنيسة وروحها، وغاية وجودها وهدفها. وهنا مرة أخرى يجب أن نشير، إلى أن الرعية تعيش وستعيش عصرها المتحول هذا بشكل أو بآخر، وخاصة فئة الأطفال والشباب، فهم المستقبل للأمم والأوطان والتجمعات الذين يعيشون بها، وكذلك مستقبل كنيستنا السريانية والكنيسة في العالم .

لنعد إلى العلاقة الجدلية والمتبادلة فيما بين أطرافها الثلاثة : الكنيسة – الراعي – الرعية، وأود أن انوه هنا إلى أننا هنا لسنا بصدد تحميل المسؤوليات على طرف دون آخر، فالقاعدة الأساس هي : " كلكم راع وكلكم رعية" فالمسؤولية واحدة، والرسالة واحدة متوحدة بإعلاء كلمة الله .

سأبدأ الحوار بطرح التساؤلات التالية التي تتردد في ذهني الآن:
1. لو فرضنا جدلاً : أنه استطاع راع لكنيسة ما، في ظرف ما، وبزمن ما، بحكمته واقتداره، من جذب اهتمام رعيته وإدارة شؤونها ومؤسساتها على خير ما يرام، فهل هذا يعني أن الأمور بخير؟
2. ما ذا لو غاب هذا الراعي عن رعيته هل ستبقى الأمور بخير؟
3. ما ذا لو بنى المؤسسات التي ستساعده في إدارة شؤون الرعية وتطوير خدماتها وتنويعها بتنوع احتياجاتها الاجتماعية ؟ من سيختار لمساعدته في إدارة هذه المؤسسات للوصول إلى الأهداف المطلوبة؟  ثم ما هي هذه الأهداف؟  وهل هي آنية أم قريبة أم بعيدة؟
4. ألا يمكن أن تكون هذه الأهداف والغايات تتطلب جهوداً و موارداً أكبر من إمكانات هذه المؤسسات؟
5. ما ذا لو بقي هذا الراعي يدير رعيته بمنهج واحد وفكر تقليدي غير متجدد هل ستبقى الأمور بخير؟
6. كيف يجب أن تكون علاقة وخطاب رعاة الكنيسة في الخدمة الروحية والاجتماعية مع رعيتها في العصر الحديث المتجدد والمتحول بسرعة؟
7. كيف تتضافر جهود رعاة الكنيسة في تطوير قدراتهم على نطاق كنيستهم ومن ثم أبرشياتهم؟
8. لو فرضنا أن أغلب أبرشياتنا كانت بخير في حاضرها، ولكن كل منها في دائرتها ومحيطها الجغرافي، فهل ستكون الأمور بخير غداً ؟ وأن واقع الجسد بكامله بخير، وبالتالي تكون كنيستنا ومستقبلها بخير ؟
9. ألا يجب أن تكون كافة أعضاء جسد الكنيسة سليمة  لتعمل بتناغم تام وبصحة تامة وقدرة أعلى ؟
10. ألا يجب أن تتضافر جهود الأبرشيات المنتشرة في العالم وبالتالي الطائفة بشكل عام؟
11. كيف يتم التنسيق فيما بينها بدلاً من بقائها جزر متفرقة؟
قائمة التساؤلات قد تطول وتطول وتتشعب وستبقى مفتوحة للحوار الهادف والبناء.
أيها ألأخوة، إن وحدة الهدف والمصالح، وسهولة التواصل والانتقال، وعصر العولمة والتجمعات الاقتصادية والبشرية، والانفتاح على الآخرين، كلها أمور تستدعي توحيد الجهود وإعادة تنظيم الهيكلية العامة لمؤسساتنا ولإيجاد مؤسسات مركزية تقوم بتوجيهها والتنسيق فيما بينها ودعمها وتوزيع وإدارة الموارد بشكل أفضل .

نقطة أود أن أوضحها: بأنه حالياً، لدينا مجالس ملية ومؤسسات ولكننا نفتقر إلى الفكر المؤسساتي، هذا الفكر  المؤسس والمخطط والمنظم للعمل الجماعي، والداعم للعمل بروح الفريق والإدارة المثلى لطاقاتنا.
إن القاسم المشترك في جميع مؤسساتنا هو الذبذبة في الأداء: صعوداً وهبوطاً أو ثباتاً، العمل بمجمله مرتبط بهمة ونوعية ورؤية المتطوعين في الخدمة وبإدارتها، فمرة نحقق نجاحاً هنا، وفشلاً هناك، نحدث فورة هنا ثم نخبو بغياب هذه المجموعة أو تلك. نجد مجموعة نشيطة وأخرى خاملة، مجموعة متحمسة طموحة وأخرى متحفظة أو تقليدية نمطية، مجموعة وصولية استعراضية وأخرى جاهلة، مجموعة تبني وتخطط لبعيد - ولا يمكنها تنفيذ الخطط الطويلة لمحدودية عمرها الإداري ودورها - وأخرى تأتي لتنقض ما خطط له وتبدأ بخطط جديدة خاصة بها. وهكذا دوما نبدأ من الصفر، وفي حلقة مفرغة، نهدر الأموال والطاقات، وندور ضمن دائرة التجربة، ودائرة الخيبة والإحباط، بعذر: أن هذا هو الممكن والمتاح.

إذاً : هذه هي البنية العامة لمؤسساتنا تنجح بوجود هذا الراعي أو ذاك، وهذه المجموعة أو الفئة أو تلك، وتفشل بذهابها، فنحن أشبه بجسم هلامي أو كائن رخوي تتحرك أوصاله هنا وهناك بلا ضابط أو تنسيق أو توجيه فعلي نحو حركة متناسقة متكاملة، أو نحو خطط شاملة ورؤية بعيدة لواقع ومستقبل كنيستنا. صحيح أنه لدينا في هذا الجسم الهيولي جملة عصبية توصل الأوامر للأطراف المختلفة، ولكن هذا الجسم ينقصه فقرات وعمود فقري ليأخذ الشكل الدائم والثابت.
إن طاقاتنا وجهودنا مبعثرة، محلية بطابعها – وهذا من ارث الماضي حين كانت المسافات بعيدة والتواصل صعب - ومحدودة بإمكاناتها وقدراتها الفكرية والمادية. ينقصها المختصون المختلفون في علوم الإدارة والاقتصاد والاجتماع والتربية وعلم النفس الخ ...، والمتفرغون الدائمون للعمل –  وفي كافة مفاصل ومستويات كنائسنا - لدعم هذه الجهود وضمان تراكمها وديمومة نجاح مؤسساتنا لاستمرار تصاعد مستوى الخدمات والرقي بها. هذه الفئة هي " الفقرات " التي ستجعل من جسم كنيستنا قادراً أن ينتصب، وأن يستطيع الانطلاق بسرعة نحو الأمام ويواجه تحديات الغد.

والآن، سيسأل سائل: لدينا نقص كبير في عدد رجال الدين، وضعف في القدرات المالية، فمن أين سنأتي بهؤلاء الاختصاصين المتفرغين؟ ومن أين سنأتي بنفقاتهم؟
وهنا أقول: بأنه لو وجد لدينا مثل هذا الفكر، وهذه المؤسسات المركزية، لأصبح عندنا الكادر والمال – وهنا يمكن الاستعانة بموظفين علمانيين من أبناء رعينا - وليس بالضرورة أن يكونوا رجال دين متفرغين، فالكلفة المادية واحدة لا بل أقل !!، فحسن الإدارة وتبادل الخبرات والإمكانات الخ ... والتخطيط الشامل  يزيد من القدرات وتوحد الطاقات.

أدعو في هذه العجالة، إلى إحداث بعض المؤسسات الإدارية المركزية، المتخصصة في مجال الخدمة الاجتماعية، بكوادر مؤهلة  يتفرع عنها حسب الحاجة ممثلون محليون وإقليميون مقيمون في الأبرشيات لرفد أنشطتها، وهي على سبيل المثال لا الحصر:
1. إدارة الجمعيات الخيرية : وتعنى بالتنسيق بين الجمعيات والمؤسسات الخيرية وما تقدمه من خدمات ومعونات عينية ومالية ورعاية صحية و مستوصفات ومشافي، الخ ... توحد جهودها وتزيد من قدراتها وتكاملها، وإدارة الكوارث التي قد تصيب بعض أبرشياتنا وكنائسنا .
2. إدارة التعليم العالي والمدارس: وتعنى بالإشراف على تطوير مدارسنا واحتياجاتها ومناهجها وأساليب إدارتها للرقي بها وزيادة عددها، وكذلك تقديم وإدارة المنح الدراسية المختلفة لأبناء الرعية لمراحل التعليم العالي لرفد مؤسسات الكنيسة بالكوادر المتخصصة اللازمة التي نوهنا عنها.
3. إدارة مراكز التربية الدينية والمناهج الدينية : وتعنى بوضع مناهج دينية خاصة بنا ومناسبة مع العصر ومنطق العصر، وبرامج وأنشطة موحدة ومفيدة. وكذلك دعم وتنظيم وتكامل  والأنشطة العامة الشبيبة والحركة الكشفية والتواصل فيما بينها.
4. إدارة الاتحادات والروابط النوعية : رعيتنا منتشرة في كل أرجاء العالم، ومن مختلف المهن والعلوم والاختصاصات، والهدف هو زيادة الترابط والتواصل فيما بينها والتنسيق بينها والاستفادة من خبراتها ومواقعها.
5. الإدارة المالية العامة والتطوير المالي: وتعنى بالإدارة المالية وأساليب استثمارها وتنمية مواردها بأسلوب علمي وعصري وأن نخرج من حالة مسك الدفاتر والمحاسبة التقليدية.
6. إدارة الأوقاف العامة والمشاريع الكبرى: وتعنى بإدارة وتنمية الأوقاف بشكل عام والقيام بمشاريع مركزية كبرى تخدم مناطق إقليمية وتكون أكبر من الإمكانات المحلية.
7. إدارة العلاقات العامة والإعلام والنشر : وتعنى بالعلاقات العامة وتطوير الخطاب الإعلامي لكنيستنا، الطباعة والنشر الورقي والالكتروني، والتنسيق بين دور النشر والمواقع الالكترونية.
8. إدارة التخطيط والإحصاء: وتعنى بالتخطيط الشامل والإحصاء ووضع قواعد البيانات بحيث تستفيد منها مؤسساتنا.

أخيراً أيها الأخوة، القائمة أيضاً قد تطول وتزداد توضيحاً ومهاماً، ويبقى الهدف النهائي هو الإنسان كي يسمو بفكره وخلقه وعطائه كي يكون " نور العالم"  ولكي " يمجدوا أباكم الذي في السماوات "، القول واضح وصريح في تعاليم السيد المسيح :
"انتم نور العالم،لا يمكن أن تخفى مدينة موضوعة على جبل. ولا يوقدون سراجا ويضعونه تحت المكيال، بل على المنارة فيضيء لجميع الذين في البيت. فليضئ نوركم هكذا قدام الناس، لكي يروا أعمالكم الحسنة، ويمجدوا أباكم الذي في السماوات. (متى 5: 14-16)"

هل يبقى سراجنا تحت المكيال ؟ وهل يمكن أن نصبح نور العالم ؟

بقلم المهندس أفريم بيشار ـ حلب
2009-04-05


06 / 04 / 2014
Print
Send to friend
Back
أضف تعليق

المشاركات

التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها

اسم المرسل : سميرة

الدولة:

2014-04-07

هذه المقترحات تتطلب كوادر مختصة جدا .نتمنى ان تتحقق في المستقبل القريب .


اسم المرسل : امين كورية

الدولة: سويد

2014-04-06

الاخ افريم طرحت موضوع هام جدا وبنفس الوقت انت جاوبت بأجوبة بعتقد لو طبقنا نصفها بدنا نكون بالف خير .


    أضف تعليق

     

    إقرأ أيضاً
     * السويد ـ حفل خيري بمناسبة عيد القيامة المظفرة
     * أميركا ـ جرح يلتئم بمصالحة في الكنيسة السريانية
     * بيان رسمي صادر عن المجلس العسكري السرياني حول الاوضاع بالحسكة - سوريا
     * اقتحام مقرّ جمعية طورعبدين الآشورية في السويد وتخريب محتوياته
     * تأسيس فضائية جديدة .. قناة السريان الفضائية
     * تركيا تسمح للسريان بإنشاء مدارس بعد 86 عاماً من المنع
     * اللقاء الثاني لمجموعة (حي السريان في السويد) HSS
     * أميركا ـ تبرع سخي من اللجنة السريانية الرهاوية لجمعية وردة المحبة


       
    أخبار العالم | اخبار مسيحية | محليات | حوادث | علوم وتكنولوجيا | ثقافة وفن | طب وصحة | منوعات | لكِ سيدتي | عالم السريان | مقالات وآراء | قصص مسيحية | أريد حلاً | عيناي دائماً إلى الرب |

    Qenshrin.com
    Qenshrin.net
    All Right reserved @ Qenshrin 2003-2015